إبراهيم غرايبة

عامر الشقيري وألا تكون متوقعا

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:07 صباحاً

كتب القاصّ عامر الشقيري على حائط صفحته في "فيسبوك": "كما في لعبة البولينغ تماما.. تبذل مجهودا واسعا للسيطرة على شتاتك والنهوض مجددا.. ثم تمتد تلك الذراع السخيفة لتدحرج صوبك كرة تبعثرك مرة أخرى.. مرارا وتكرارا لآخر العمر!".
عندما أدرجت النص في صفحتي، كتب معلقا وكأنه القارئ وليس الكاتب: "يوما ما سوف لن أنهض.. وسأخذل كل تلك الأذرع". فرددت عليه: سوف يكون ذلك إعلان حرب يا صديقي... إنهم يراهنون على أننا نواصل النهوض. ألا تكون متوقعا يعني أنك أسوأ خصم".
وجدت هذا النص أفضل ما يلهمنا كيف نفهم الحياة ونعيشها. ففي الحياة، وبما هي صراع، يجب أن تكون مصنفا منتميا إلى أحد الفسطاطين. وألا تكون مصنفا في أحد الفسطاطين، يعني أنك غير مرغوب فيك من قبل أحد؛ يرفضك وربما يقتلك الفسطاطان معا.
وليس لك خيار أن تذهب إلى أحد الفسطاطين إلا بمقدار أن تختار أن تكون (على سبيل المثال) لاعب البولينغ، أو القطعة الخشبية بطول 38 سنتميترا، والتي يدحرجها اللاعب بكرة وزنها 16 باوندا يطلقها نحوها في مسار محدد طوله 18 مترا، وعرضه 1.4 متر. لماذا لا تجرب النصيبة الخشبية أن تقذف الكرة نحو اللاعب؟.. ماذا لو قررت ألا تنهض أبدا عندما تدحرجها كرة اللاعب؟
برغم بداهة السؤال وأنه مبتدأ الحياة، ذلك أنها (الحياة) هي أن تكون أنت؛ إلا أنها إرادة تشكل الآخر أيضا، وليس الذات فقط. فأن تكون أنت أو كما تريد أن تكون، يعني أيضا، وبالضرورة، أن يكون الآخرون كما تقتضي هذه المشيئة. فأن تكون لاعب البولينغ، يعني أن يكون ثمة متوالية من الكائنات والتشكيلات؛ الكرة والخشبة والممر، واللاعبون، والصالات والمستثمرون...
ثمة لعبة أخرى تسبق لعبة البولينغ. تركض الكائنات والأشياء نحو المقاعد المخصصة لأن تختار ما تكون؛ لاعب، كرة وزنها 16 باوندا، مستثمر، عارضة خشبية بطول 38 سنتمترا.. ثم تدور سلسلة أخرى من الألعاب.
عندما يرفض أحد أن يكون العارضة الخشبية، تتعطل الحياة والاستثمارات، يتوقف اللعب، يضج الجمهور، تغلق الصالة وتنشأ بطالة، يهرب المستثمر الأجنبي أو المحلي، تقل إيرادات الحكومة من الضرائب. يدعو الإخوان المسلمون إلى صلاة الاستسقاء كأفضل ممارسة للاحتجاج والاحتفاظ بالمؤيدين؛ ففي هذا الفقر يتطلع الناس إلى السماء لعلها تحميهم من الحكومة أو تغنيهم عنها. والحكومة تفرح بذلك كثيرا؛ فبدلا من البحث الفاشل واليائس عن خشبة مفقودة أو غير متوافرة لتمضي لعبة البولينغ، تدخل في صراع مع "الإخوان" الذين أضروا بمصالح البلاد وتحالفوا مع الإرهاب. الصحافة لا تعود تتحدث عن الخشبة المفقودة أو المتمردة، وتتدخل (الصحافة) لإنقاذ الموقف وتشعل جدلا عظيما عن الشهادة في سبيل الله. هل هم شهداء أولئك الذين يقتلون في أي جانب كانوا في لعبة أخرى، ويسجن المفتي الذي لو لم يفت هو الآخر لانتهت اللعبة.. يجب أن يفتي فتوى متوقعة فتشتعل المباراة!
قبل عدة سنوات، انتحر ثلاثة من سجناء "غوانتانامو" في ليلة واحدة. وجدوا مشنوقين، أو هكذا ظهرت الحادثة! وعلق مسؤول عسكري أميركي على الحادث بأنه إعلان حرب على الولايات المتحدة!
أعتقد أنه تشخيص عسكري دقيق للموقف؛ فالمعارك والصراعات لها قواعد ومسارات محددة ومتوقعة.. ألا تكون متوقعا، يعني أنك تعلن الحرب.

التعليق