الأفلام الأردنية تترك بصمتها في ذاكرة جمهور "قرطاج"

تم نشره في الاثنين 15 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مشهد من "ذيب" -(الغد)

إسراء الردايدة

تونس- رغم أن الدورة الـ25 لأيام قرطاج السينمائية اختتمت فعالياتها قبل أسبوعين، إلا أن عروضها من الصعب أن تفارق الذاكرة نظرا للمكانة والأهمية التي يحتلها هذا المهرجان.
وقبل الحديث عن المكانة التي تحتلها هذه التظاهرة السينمائية التي تعقد فعالياتها مرة كل عامين، أي عمرها الفعلي أكثر من خمسين عاما، فإن المشاركة الأردنية بهذه الدورة تمثلت بنصيب جيد بلغ أربعة أفلام، منها واحد روائي طويل حقق نجاجات كبيرة وهو "ذيب" للمخرج ناجي أبو نوار وهو الأحدث في إنتاجات الساحة المحلية، إلى جانب فيلم المخرجة ديما دعيبس الذي تنافس في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة وهو بعنوان "ارتجاج"، وفيلم المخرجة عزة الحسن الذي عرض خارج إطار المسابقات ضمن عروض "سينماءات العالم" وآخرها فيلم المخرجة ميس دروزة ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية "حبيبي بيستناني عند البحر".
فيلم "ذيب" الذي عرض مرتين ضمن هذه التظاهرة شهد حضورا جماهيريا كبيرا، هذا فضلا عن الاستقبال الرحب الذي لاقاه قبل وبعد عرضه وشغف الانتظار؛ حيث كان الفيلم فاز بجائزة فيبريسكي لأفضل فيلم روائي، ونال في مسابقة آفاق جديدة جائزة أفضل فيلم من العالم العربي، وفيلم "ذيب" هو أول فيلم روائي لمخرجه ناجي أبونوار الذي حقق حضورا جماهيرا كبيرا؛ إذ بيعت كل تذاكره قبل العروض وقبل انطلاق المهرجان، ولاقى ترحيبا وقبولا كبيرا من النقاد كونه أول عرض له في العالم العربي، وبعد نيله تزكية خاصة من قبل مهرجان لندن السينمائي الدولي وجائزة أفضل مخرج في مسابقة اوريزونتي (آفاق جديدة).
ويقدم "ذيب" الذي سيشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي؛ سحر الصحراء الأردنية من خلال قصة نضوج بطله في رحلة ملحمية بين صراع البقاء على قيد الحياة وبين نفسه وترجمة دروس الحياة بالفطرة.
ويحمل الفيلم في طياته رموزا وصورة بصرية مؤثرة تعكس ذلك الصراع الملحمي، والعلاقة بين المكان والأفراد في حقبة تاريخية ومرحلة مهمة من التاريخ الأردني والتي تعود لما قبل الحرب العالمية الأولى، والثورة العربية الكبرى في العام 1916 وإنشاء الخط الحجازي الحديدي.
الفيلم الذي أخرجه ناجي أبو نوار وأنتجه باسل غندور؛ يضم طاقم العمل فيه كل من؛ جاسر عيد، حسن مطلق، حسين سلامة، مرجي عودة، جاك فوكس، فيما كتب السيناريو ناجي أبو نوار وباسل غندور، ومونتاج روبرت لويد، تسجيل الصوت فلاح حنون، تصميم الصوت داريو سويد، الموسيقى جيري لاين، تصميم الديكور أنا لافيل، تصميم الملابس جميلة علاء الدين، الشعر والمكياج سليمان تادرس، مساعد المنتج ينال قصاي عيد الصوالحين ومعن عودة.
الفيلم يشهد رحلة تحولات فكرية ونفسية وإنسانية من الوجدان تترك بصمتها في المشاهد بعفوية وتخترق ذاكرته حيث تنقش مكانها لجماليته البصرية.
"ذيب" لوحة إنسانية بصرية وغنية بالمشاعر ذات كلاسيكية كاملة عن المعاناة والألم والشرف، وهي مغامرة ويسترن غربية كما أرادها مخرجها أبو نوار، بنكهة شرقية من الصحراء الأردنية.
أما فيلم "ارتجاج" لمخرجته ديما دعيبس، فهو قصير يقع في 9 دقائق؛ حيث يظهر ذلك الضغط الممارس من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي والاستجواب وطريقة الاستغلال الذي يخضع له من يريد زيارة القدس، وهنا من خلال مواطنة فلسطينية، تتعرض للتحرش والاستجواب والتعذيب النفسي من قبل ضابط إسرائيلي عن سبب قدومها وزيارتها.
الأداء العاطفي والغضب الانفعالي، والتوتر العصبي بموازة تعامل المحتل كصاحب سلطة وحق مشروع لأرض مسلوبة، الثورة والرغبة في التحرر التي تقودها ملامح الممثلة في العمل، الانتفاضة النفسية التي تمر بها جراء هذا الاستجواب وهي حالة مرتبطة بالوضع الخارجي في الأرض المحتلة وما يمر به سكان فلسطين ورغبتهم في التحرر وكسر هذه القيود.
أما فيلم المخرجة عزة الحسن "حضور اسمهان الذي لا يحتمل" فهو فيلم وثائقي يتناول حياة المطربة اسمهان وعلاقتها بمدينة فيينا التي تغنت بها قبل 60 عاما من خلال أغنية "ليالي الأنس بفيينا"، وفي الوقت نفسه يلفت النظر هذا العمل الوثائقي إلى بروز نجم اسمهان في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وحضورها في ذاكرة الملايين، وكيف تصف فيينا بجنة عدن، حين سجلت هذه الأغنية في 1944، في وقت كانت فيه هذه المدينة تتعرض للقصف من قبل قوات الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي الوقت نفسه، يظهر الفيلم التناقضات التي يمر بها العالم العربي يما يعرف بـ"ربيع انتفاضاته" وكيف باتت فيينا حلما للعرب للتوجه إليها، وتكتشف الأسرار المخفية في حياة مسيرة اسمهان.
"حضور اسمهان الذي لا يحتمل" يرتبط بتاريخ الأمس واليوم؛ فأسمهان توجهت للقاهرة هربا من ظروف صعبة ووجدت في القاهرة ملاذا، فيما اليوم الظروف في القاهرة باتت سببا للبعض ليفكر بمغادرتها نحو الغرب. وعمدت المخرجة إلى البحث عن أسرار في حياة اسمهان وجمعت الأساطير التي رويت عنها، وكيف تمكنت اسمهان من تغيير مجرى حياة الكثيرين ورمزيتها بين أقرانها.
وتوقف الفيلم في محطات مختلفة في حياة اسمهان وزيارتها لمعالم سياحية ولقاءات للباحثين عن هويتهم بين الشرق والغرب وبين الأحلام والواقع.
ولم تتوقف المشاركة الأردنية عند هذا الحد، بل شهدت مشاركة الممثلة والمنتجة صبا مبارك في لجنة التحكيم للمسابقة الوطنية، وهي ليست التجربة الأولى لها في هذا المجال.
أما أيام قرطاج السينمائية، فهي تمثل حلقة ربط بين آسيا وأفريقيا والقارات الأخرى، فهو من جهة يربط القارة السمراء من خلال تسليط الضوء على أحدث الإنتاجات السينمائية التي تطل كنافذة على سحر هذه القارة وخصوبة الفكر وأهمية السينما فيها، التي تحمل هوية مجتمعها بشكل كبير وبدون أي تجرد وتكلف. كما يعد هذا المهرجان فرصة للقاء صناع السينما من القارة السمراء مع العالمين، من خلال لقاءات مختلفة، وقادت هذه الدورة درة بوشوشة وسبق لها أن أدارت دورتين في السابق.
الدورة التي أدارتها بوشوشة واجهت اننقادات من الصحافة المحلية التونسية نتيجة غياب مشاركة أفلام تونسية حيث تنافس فيلم واحد فقط في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة بخلاف دول تنافست بفيلمين.
بغض النظر عن تلك الانتقادات، إلا أن المهرجان تمكن من جمع الكثير من الخبراء والنقاد والفنانين والمخرجين، ومن مخرجاته مواصلة مسابقة تكميل التي تعد برنامجا لتطوير ورش العمل التي تمنح لكتاب السيناريو الأفارقة والعرب جوائز مالية أو خدماتية لإنهاء الفيلم وإيصاله لمرحلة يرى فيها النور. ويتضمّن القسم 9 مشاريع 3 منها خيال و6 وثائقيات وهي من تونس ومصر وسورية والسينيغال والمغرب ولبنان وبوركينا فاسو.
وما يميز "أيام قرطاج السينمائية" التي ستتحول لحدث سنوي بدءا من العام المقبل، هو شغف الجمهو لتذوق الفن السابع فنسبة الحضور من المهرجان، بحسب تقرير إدارته، هي 40 % للضيوف من صحافة ونقاد وضيوف، مقابل 60 % للجمهور الذي يحضر قبل ساعة أو ساعتين من انطلاق العرض لحجز مكانه في القاعات المختلفة التي توزعت في محيط المسرح البلدي وقاعات العرض الأخرى.
مع انتهاء هذه الدورة، يعلق في الذاكرة الموسيقى الصاخبة في عروض حية لإذاعات محلية تستقبل الضيوف طيلة اليوم خلال العروض، والأجواء الايجابية التي تعلوها ابتسامة ترحب بالضيوف في تونس الخضراء، فيما هم يكتشفون شارع الحبيب بورقيبة وسحر تونس وجمال السينما الأفريقية التي تطل عليهم من شاشات العرض لتكشف عوالم مختلفة ساحرة وواعدة كل عام.

التعليق