إبراهيم غرايبة

رسالة العلماء والكحل الذي يعمي

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:05 صباحاً

من يقرأ الرسالة الموجهة إلى البغدادي رئيس "داعش"، والموقع عليها من قبل 126 عالما من أنحاء العالم الإسلامي، يتأكد لديه أن المصادر الفكرية والدينية للمتطرفين هي نفسها المصادر القائمة والمتقبلة لدى النخب الدينية على مدار التاريخ العربي والإسلامي؛ وأن المتطرفين لا يستخدمون في واقع الحال أدلة ونصوصاً مختلفة عن النخب الدينية، وأن هذه الأخيرة (النخب الدينية) تدافع عن سلطتها ومصالحها في مواجهة تهديد تمثله الجماعات البعيدة عن السلطة، وأن الصراع في الحقيقة ليس حول الدين ولكنه صراع على الدين!
لقد عرضت الرسالة أفكارا وحججا تجعل المواطنين يخافون من السلطات القائمة في العالم العربي، أكثر مما يخافون من "داعش"، وأنه لا أمل لهؤلاء المواطنين في التحرر من "الأوليغاركية" المهيمنة على النفوذ والموارد والفرص، وأن الإصلاح السياسي والديمقراطية والحريات هي حلم مستحيل، لا يختلف على استبعاده السلطات السياسية والنخب الدينية المتحالفة معها كما "داعش" سواء بسواء.
هل كانت مشكلة "داعش" هي الخطأ في تفسير النصوص الدينية؟ وهل تعتقد الحكومات العربية والإسلامية أن بيان حكم الشريعة الإسلامية سوف يقضي على التطرف؟ وهل ينقص الناس في بلاد العرب والمسلمين كما المؤيدون للجماعات المتطرفة بيان الحكم الشرعي؟ ومن يملك هذا الحكم الشرعي؟ ولماذا كان الصراع على مدار التاريخ العربي والإسلامي على السلطة، ولم تجر حروب ولا خلافات في يوم من الأيام على أركان الإسلام وأركان الإيمان، وسائر العبادات والأحكام الدينية؟
رسالة العلماء تحمل مضامين مرعبة للمواطنين والعالم أيضا، ولا تفيد شيئا في محاربة "داعش" والتطرف والإرهاب؛ فهذه الرسالة تدافع عن حق التطرف الحكومي، وأن مشكلة "داعش" أنه نازع التطرف أهله.
الرسالة ترى الخلافة من الدين، وواجبا يجب أن نسعى إلى تحقيقه، وكل ما فعله "داعش" أنه أخطأ الوسيلة. كما أن قطع اليد ورجم الناس وقتلهم، أمور من الدين، وما فعله "داعش" هو عدم التحوط. وأنه يجب قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
ألا يعني ذلك، حسب الرسالة، أننا مأمورون بقتال كل الأمم والدول، من الآسيويين والأفريقيين والمسيحيين أيضا، وما يمنعنا من ذلك ليس إلا عجزنا؛ وأن من مصلحة العالم، بل وواجبه، أن نظل فقراء عاجزين، لأننا بغير ذلك سوف نقاتل العالم كله حتى يقول الناس لا إله إلا الله؟ والواقع أنه حسب رسالة العلماء، فإن اليهود فقط هم الذين لا يشملهم الأمر بالقتال؛ فكل من عداهم يمكن اعتبارهم لا يقولون لا إله إلا الله.
الرسالة تكريس للسلطة الدينية على الناس، على نحو يحرم الحريات والديمقراطية وولاية الأمة، وأنها مصدر السلطات والتشريع. والخلاف الوحيد بين العلماء و"داعش" هو أنه ليس البغدادي من يتسلط عليكم، ولكن العلماء.
إن كان للرسالة حسنة، فهي تأكيدها أن ثمة حاجة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة على نحو مختلف عما كانت عليه الحال طوال التاريخ، وأن الدولة الحديثة، بما هي حديثة، يجب أن تكون محايدة تجاه الدين. والواقع أنه يوجد حسنات أخرى للرسالة، فقد أفتت بجواز حب الأوطان!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »للاسف .. فهم الكاتب للدين بعيد جدا (جمال التميمي)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    تحية للكاتب و نحترم حقك في ابداء رأيك لكن ما يزعج حقيقة هو هذا الفهم المشوه للدين و دوره في الحياة السياسية . نعم الخلافة جزء من الدين و ليس في الدين الاسلامي انفصام عن الدولة المدنية و لكن ليس بان نضع الدين تحت عباءة الدولة و يبقي حكم الاستبداد يتسلط علينا و معه علماء السلطان الذين يرون الخروج على الطاغية بدعة و فتنة و لا يرون ضيرا في القتل البطيء للناس في ارزاقهم و احوالهم و حتى حياتهم
    كثيرون يتبنون مثل رأيك و كأنهم عانوا قرونا من الحكم الكنسي و لا يرون خلاصا من عصور الظلام التي استنسخوها في خيالهم الا بفصل الدين تماما عن الدولة
    نعم قطع اليد من الدين و كذلك الرجم و القصاص و لكن أسأل نفسك متى كان حكم المسلمين قد بدأ و بني على هذه الحاميات لحدود الله ، ألم يكن اول الدعوة و آخرها الهدف منها إخراج العباد من عبودية العباد الى عبودية رب العباد ؟؟

    من اعتز بغير الله أذله و ديننا الحنيف هو نجاتنا و ليس فزاعة التخويف ..
  • »ابدعت استاذ ابراهيم (خلدون)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    كم اتمنى لو التقي بك، انت شخص مبدع و انا اعشق كتاباتك.
    و تعليقا على مقالك السابق، ﻻ لسلطة رجال الدين نعم للدولة المدنية.