د.أحمد جميل عزم

الخليج و"أميركا" والإخوان

تم نشره في الخميس 25 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:03 صباحاً

يعود خلاف دول الخليج العربية مع "الإخوان المسلمين"، في جزء منه، إلى متغيرات ما بعد الحرب الباردة، وتراجع الأيديولوجيا وانقراض "الثوريين العرب"، وإلى "واقعيّة" الولايات المتحدة الأميركية البراغماتية.
في زمن الحرب الباردة، كان الأميركيون يُسخّرون الكنائس في الولايات المتحدة لمهاجمة الشيوعية، وكان التيار الديني الإسلامي حليفاً للدول العربية المحافظة، ضد الأنظمة الاشتراكية والقومية. وفي حينه، كانت هناك أنظمة في مصر، وليبيا، والعراق، وسورية، وبدرجة أقل الجزائر، تسعى إلى لعب دور قيادي للعالم العربي. وكان اليمن الجنوبي، على ضعفه، حاضنة للثوريين الأكثر راديكالية، الساعين للاستعداد والعمل لنشر ما يسمى بالثورة في باقي الدول العربية التي كانوا يسمونها "الدول الرجعية". بكلمات أخرى، كان هناك لقاء مصالح ثلاثي أميركي-خليجي وملكي-وديني إسلامي، تحول مع الوقت، بدعم خليجي ومباركة أميركية، إلى "إسلام سياسي". وقد وصلت هذه الصيغة ذروتها نهاية السبعينيات، حين اجترح واضعو السياسة العامة الأميركية سياسة دعم المجاهدين في باكستان وأفغانستان ضد الشيوعية والاتحاد السوفيتي. وإن تزامن ذلك مع صعود إسلام سياسي مختلف، عبر عنه نظام الولي الفقيه في إيران.
وصلت قوة التيار الإسلامي ذروتها مع بداية التسعينيات، أي في ذات زمن انهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة. وبالتالي، فقد الإسلام السياسي جزءا كبيرا من دوره الوظيفي بالنسبة لأنظمة الخليج والرأسمالية العالمية، بينما هذا التيار في أوج قوته.
هذا لا يعني أنّ قطيعة وقعت مباشرة بين الجانبين، وخصوصا بين الأنظمة العربية والإسلام السياسي؛ فهناك علاقات شخصية وهناك ضباط مخابرات في باكستان ودول عربية خليجية متأثرون بهذا التيار أو لهم صلات معه. كما أنّ هناك وظائف فرعية ظهرت له. ففي باكستان مثلا، كان ضروريا الاستمرار في دعم التيار السلفي في أفغانستان، لعاملين: أولهما، الخوف من تمدد شيعي وإيراني. وثانيهما، أنّ هذه الجماعات حليف في وجه الهند، كما في كشمير.
ساهمت عدة عوامل في تثوير وتعمق التسييس لدى التيارات الإسلامية، وتحولها إلى موقف حاد من الولايات المتحدة والغرب، وإلى صدام مع الأنظمة الحليفة سابقا. أولها، اتضّاح أنه من دون تسييس فقد تفقد هذه القوى الشارع، كما في حالات أشهرها حالة حركة "حماس" الفلسطينية التي جاءت لتنهي عقودا من استنكاف الإخوان المسلمين عن المقاومة والسياسة في فلسطين. كذلك، كانت إيران نموذجاً لعب دورين متناقضين؛ فمن جهة ألهم هذا النموذج جماعات لتتبناه، كما أخاف، من جهة أخرى، تيارات الإسلام السياسي التقليدي من بروز جماعات جديدة مدعومة إيرانيا، ومثال ذلك من فلسطين أيضاً نشوء "حركة الجهاد الإسلامي" بحماسة للنموذج الإيراني، ونشوء "حماس" خوفاً من سحب مثل هذه الحركة وغيرها للبساط من بقايا التيار المتدين. وكان دعم التيار السلفي السياسي مفيداً لدول مثل السعودية في مواجهة إيران.
بنت دول الخليج العربية سياستها الأمنية منذ مطلع التسعينيات على تحالف عسكري صريح مع الولايات المتحدة، خصوصاً ضد العراق وإيران الدولتين اللتين تتحينان الفرصة للانقضاض على الخليج. فيما أدارت العلاقة مع الإسلام السياسي بنوع من المد والجزر، خصوصاً مع انتهاء الأنظمة العربية "الثورية" والأيديولوجية التي كان الإخوان المسلمون طرفا في الخندق المقابل لها مع الخليج.
لكن "الربيع العربي" حسم المعادلة؛ فمن جهة يشكل التغيير في الدول الأخرى (غير الخليجية) خطرا يهدد بأن تنتشر عدواه للخليج، وصار هناك تخوف من دور الإسلاميين في هذا التغيير. وكان الإسلامي راشد الغنوشي في تونس ممن توقع انتشار هذه العدوى في محاضرة شهيرة في الولايات المتحدة، ما استفز الخليج حينها. وبينما تفردت قطر بمحاولة التحالف مع "الإخوان" وتأييد الثورات، فإنّ واشنطن برئاسة باراك أوباما تبنت موقفا براغماتيا لا يمانع في الوصول لتفاهمات مع قوى الإسلام السياسي الصاعدة للحكم، وهذا استفز الخليجيين، وزاد مخاوفهم، فقرروا أن يباشروا الأمر بنفسهم، وأن يستثمروا كثيراً في منع المزيد من التغيير غير المسيطر عليه في الدول العربية، كنوع من الوقاية لساحتهم الداخلية، فاختلفوا نسبيا مع واشنطن وتحركوا باستقلالية. وفي السياق، كان الإخوان المسلمون أكبر قوة تريد لعب دور في العصر الجديد، فكان الهجوم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاسلام السياسي -مثلا (خلدا الاردن)

    الخميس 25 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    هناك تساؤلات حول دور الحركات الاسلاميه في فترات زمنيه مرت على وطننا العربي من الضروري لجيلنا الحالي اي يجد اجابه لها وهي امثله محدوده ولكن لها دلالات - لمذا سمحت القوات البريطانيه في قناه السويس 1948 لقوى معروفه من اقتحام بعض معسكراتها والحصول على بعض الاسلحه والتوجه بها للحرب في فلسطين و هذا موثق تاريخيا ؟ -لماذا وقفت هذه الحركات لمواجه الجيسش المصري في اليمن في الستينات ؟- عدم الا نخراط في مواجهه الهجمه الصهيونيه منذ1948-1978 -معسكر الشيوخ 1968 لم يقم بعمليه واحده ضد العدو الصهيوني بل قام بعدها المناضل الشهيد (عبدالله عزام) في ارسال الشباب الى افغانستان لقتال المشركين - من وقف في وجه الجبهه الشعبيه في الخليج والبحرين 1968 - من ساند الاحتلال الامريكي في العراق ودخل في تحالف مع القوى الطائفيه؟ -من سجد ركعتين لله ابتهاجا بنكسه 1967 ؟-هناك الكثير الكثير لا نستطيع ذكره في هذه العجاله - نرجوا الهدايه وقراءه التاريخ ووالوثائق المعروفه والمخفيه..................
  • »سياسة استعمارية أمريكية بالوراثة. (SARAFANDAWI-325122014)

    الخميس 25 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    إن العلاقة التي تجمع واشنطن ، والإخوان ، وأنظمة الحكم الفاسدة في المنطقة ، وعصابات الإرهاب الصهيوني ، هي علاقة موروثة ، من علاقة سابقة ، كانت تجمع كل من لندن ، والإخوان ، وشيوخ ، ورعاة ، وعصابات الإرهاب الصهيوني ، عند سيطرة الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية على المنطقة ، ومنذ بداية القرن الماضي.
    وكما نشاهده الأن ، من علاقة ما بين كل من ، واشنطن ، والعدو الصهيوني.
    وكما سوف يحدث مستقبلا ، من علاقة ما بين كل من ، واشنطن ، وطهران.
    فالعلاقة ما بين واشنطن ، والإخوان ، والعدو الصهيوني ، ودول الخليج ، والأنظمة الفاسدة ، هي كذلك ، علاقة موروثة ، ومن علاقة سابقة ، ما بين كل من لندن ، وتلك الجهات ، والأطراف ، تأسست ، ومنذ الحرب العالمية الأولى.
    أي حين كانت فلسطين كغيرها من عشرات المستعمرات ، تحت سيطرة الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية ، التي كانت لا تغيب عنها الشمس.
    ومن ضمنها بعض الشيوخ ، والقبائل ، والتي أسست مشيخة ، أو مستعمرة ، أو إمارة ، ثم تحولت إلى دولة من دول الخليج ، أو من دول ما يسمى بمجلس التعاون الخليجي ، في قاموس العصر الحديث.
    فالإخوان ، لا يختلف دورهم في سياسة بريطانيا الاستعمارية ، عن دور العصابات الإرهابية الصهيونية ، ولا عن دور غيرهم من شيوخ ، ورعاة ، تحولوا إلى أمراء ، ورؤساء دول ، مع مرور الوقت.
    فقد تم تجنيد عصابات الإرهاب الصهيوني ، منذ الحرب العالمية الأولى ، في خدمة أهداف الإمبراطورية البريطانية في حروبها ، وتوسعاتها الاستعمارية ، ضد شعوب العالم.
    والذي أدى ، في نهاية المطاف ، إلى تكريم تلك العصابات الإرهابية المنبوذة ، بفلسطين التي لا يمتلكها سوى شعبها ، إلى وطن يأوي تلك العصابات الإرهابية ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وعلى حساب طرد أبناء الشعب الفلسطيني ، من وطنه ، ومن أرضه.
    كان الهدف السياسي المخفي ، والغير معلن ، من وراء منح دور لكل من الإخوان ، والعصابات الإرهابية ، لدى الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية ، استمرار إشغال الطرفين في صراعات حضارية ، أو صراعات دينية في المنطقة.
    وذلك ما ظهر لاحقا ، من خلال تكريم قطاع الطرق من عصابات الإرهاب الصهيونية بفلسطين ، كوطن قومي لتلك العصابات ، مقابل تلك الخدمات التي تم تقديمها للإمبراطورية البريطانية الاستعمارية ، في حروبها الاستعمارية ، ضد شعوب العالم الثالث ، وخاصة في أسيا ، وإفريقيا ، ومنها أبناء الشعب الفلسطيني.
    وكان دور الإخوان الرئيس ، أو الأساس ، في المقابل ، الوقوف أمام التمدد الشيوعي الروسي ، في المنطقة ، وخاصة في الخمسينات ، والستينات من القرن الماضي.
    إضافة إلى هدف رئيس أخر ، يتمثل في حماية مصالح الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية ، وخاصة المصالح النفطية ، في المنطقة.
    وذلك من خلال توظيف ، وتسخير ، بعض شيوخ القبائل ، والرعاة هنا ، وهناك ، لحماية بعض المناطق النفطية في المنطقة ، والتي تحولت إلى مستعمرات بريطانية ، ثم إلى إمارات ، ثم إلى دول مستقلة ظاهرا ، وليس باطنا بالطبع ، وهذا ما يعكسه واقع الحال.
    أما الدور الأخر للإخوان ، فكان لعب دور الصراع الحضاري ، أو الديني ، في محاولة لتزييف وجه ، وصورة الإسلام الحقيقي ، وخاصة بعد اغتصاب فلسطين ، من قبل عصابات الإرهاب الصهيوني.
    حيث يمثل صراع الإخوان وجهين.
    الوجه الأول يتمثل في إيجاد ، أو خلق صراع دائم ، مع أبناء جلدتهم من شيوخ قبائل ، ورعاة ، وأمراء ، وأنظمة ، وحكام ، وشعوب ، وعسكر ، والذي أصبح يسمى اليوم في مصطلح ، أو اصطلاح الاستعمار الجديد ، مكافحة الإرهاب.
    والوجه الأخر ، يتمثل في إيجاد ، أو خلق ، صراع مع عصابات الإرهاب الصهيونية المحتلة للوطن الفلسطيني ، والذي سوف يتمدد هذا الصراع بصورة دراماتيكية ، إلى ابعد من فلسطين ، طالما أن الصراع سوف يشمل كافة مكونات المنطقة من شيوخ قبائل ، ورعاة ، وأمراء ، وأنظمة ، وحكام ، وشعوب ، وإخوان ، وعسكر ، وصهاينة.
    وهذا ما حدث ، وما يحدث حاليا ، وعلى ارض الواقع.
    كل ذلك ، من اجل استمرار تطبيق سياسة لندن وباريس الاستعمارية ، وتوكيل هذا الدور لاستعمار جديد قبيح ، يسمى الولايات المتحدة.
    الهدف من كل ذلك استمرار السيطرة ، ومسك زمام الامور في المنطقة ، وخيراتها ، والتحكم في شعوبها وحكامها ، ومصيرها.
    من هنا يمكن استخلاص استمرار بقاء الكيان الصهيوني ، واستمرار الحكام الفاسدين ، بوجود لعبة بالغة الخطورة ، وعلاقة تتمثل في إكمال كل منهما دور الأخر ، مقابل استمرار الحفاظ على مصالح واشنطن ، ولندن ، وباريس ، في المنطقة.
    وأما ما هو اخطر من كل ذلك ، فهو خشية وصول طهران ، وقدوم الإمبراطورية الفارسية للمنطقة ، لاستلام هذه المهمة ، وبترتيبات سرية ، مع دول كبرى ، ومن خلف الكواليس ، كبديل عن دور الحكام الفاسدين ، وخاصة حفظ مصالح كل من واشنطن ، ولندن ، وباريس ، وموسكو ، والعدو الصهيوني ، في المنطقة.