د.باسم الطويسي

الغموض وعدم يقين

تم نشره في الاثنين 29 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:06 صباحاً

في انتظار العام الجديد، تسود حالة من الإرباك السياسي الاستراتيجي بشأن تقدير الموقف حول مستقبل التحولات التي شهدتها المنطقة العربية، وما آلت إليه من فوضى غير مسبوقة. فلا أحد يستطيع توقع ما سيحدث في الشهر المقبل، وليس على امتداد العام بأكمله؛ فقد أصبح هذا الجزء من العالم المصدر الأول والأخير للأخبار الصادمة والمفاجآت، إذ كل الاحتمالات واردة حول مستقبل المجتمعات التي اعتقدت أنها تجاوزت العتبة الأولى نحو التغيير، وفي المحصلة تعثرت هناك.
يحدث ذلك وسط حالة غموض فارقة، لا أحد يستطيع أن يرى فيها أبعد من إصبعه، ولا أحد يستطيع أن يجزم بشأن ما سيحدث غدا؛ بينما أعداء الأمس الذين هشموا الإسلام السياسي فيما سمي بالحرب على الإرهاب، هم من فتح الدروب الصعبة أمامه، ثم عادوا لحربه من جديد وسط خرائط سائلة وغير مستقرة، وحالة من عدم اليقين بين الحلفاء أنفسهم والخصوم على سواء.
المسار الطبيعي للتاريخ الإنساني في هذا الجزء من العالم يقول إن هذه مرحلة لا بد منها، وأن العرب بحاجة إلى مرحلة الانتقال من حالة الشعوب النيئة إلى حالة الشعوب الناضجة، التي قد تحتاج إلى حالة من الطبخ على نار مستعرة، ربما حتى نهاية القرن الراهن، وسيشهدون خلال ذلك صراعات وحروبا أهلية وإقليمية ودولية وفتنا، وقس على ذلك من أحوال، حتى يدخلوا في عملية تاريخية جريئة ودقيقة، تقود إلى إصلاح ديني حقيقي، يعيد ميلاد المجتمع والدولة من جديد على أسس مدنية وديمقراطية.
هذا المسار التاريخي الذي مر به الغرب، مرت به جماعات ثقافية أخرى، عرفت تجاربها صخبا أقل مما أحدثه الغرب عبر حروبه وثوراته واقتتاله الداخلي، وصولا إلى تصدير حروبه إلى العالم، حتى استقر به الحال. كذلك مرت به شعوب في الشرق الأقصى، باختلاف دياناتها الأرضية والسماوية وفلسفاتها. في المقابل، لا أحد يستطيع أن يدّعي أن هذا المسار إجباري أو قدر محتوم، وأننا سنستهلك أجيالا ونحن ننتظر حركة إصلاحية اجتماعية-دينية كبرى، وتنويرا عربيا-إسلاميا. بل إن التحدي الكبير الذي بقي لوقت قريب أمام الكتلة الاجتماعية-السياسية التي تبدو كبيرة اليوم، وتتخذ من الدين الإسلامي أيديولوجيا سياسية للوصول إلى السلطة، هو أن تُحدث صدمة سياسية للعالم إذا ما استطاعت أن تبني دولة كل الناس بأدوات ديمقراطية مؤمنة بحقوق الإنسان. وهو الأمر الذي لم يتحقق في كل الفرص التي أتيحت لهذه الكتلة.
وإذا كانت العبرة التاريخية للشرق الأوسط أن يضطهد بنقمة الجغرافيا أكثر من أن ينعم بنعمتها، فإن الصراع حول الأرض وما في بطنها، والمياه حولها، يبقى يأخذ لون الهوية في كل مرحلة. ويبدو أن جميع الأطراف باتت تتعامل في هذه المرحلة مع المكون الثقافي الذي طالما تم تجاهله في السابق، ولكن لنفس الأهداف، وجلها أن يبقى الصراع مستمرا. فالشرق الأوسط الكبير في العيون الأميركية، الممتد من أفغانستان إلى المغرب، هو الشرق الأوسط الإسلامي. وهو بالتالي مشروع ابن لادن و"القاعدة"، وهو اليوم مشروع "داعش". فالثابت والواضح الوحيد أن يبقى الصراع في هذا الجزء من العالم مستمرا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أعداء الامس (محمد)

    الاثنين 29 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    أعداء الأمس الذين هشموا الإسلام السياسي فيما سمي بالحرب على الإرهاب، هم من فتح الدروب الصعبة أمامه، ثم عادوا لحربه من جديد وسط خرائط سائلة وغير مستقرة، وحالة من عدم اليقين بين الحلفاء أنفسهم والخصوم على سواء.
    نعم من يدخل عش الدبابير عليه ان يتحمل لسعها
  • »أوضاع لا تبشر بذرة من التفاؤل. (SARAFANDAWI 329122014)

    الاثنين 29 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    لن يكون العام الجديد بأفضل ممن سبقه من أعوام ، وخاصة بعد استمرار تفرق العرب إلى شيع ، ودويلات ، ومحاور دولية ، وإقليمية ، نتيجة استمرار ارتباط كثير من أنظمة الحكم ، باللهث وراء بلفور ، وسايكس بيكو ، واستمرارها اللهث وراء مصالح عروشها ، وكروشها ، بدلا من تطوير شعوب المنطقة.