هل قلب الانتصار الكردي في سنجار وجهة المد في حرب "داعش"؟

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • مقاتلون أكراد على مشارف مدينة الموصل العراقية - (أرشيفية)

تقرير خاص - (ديلي بيست) 27/12/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الموصل - غادر المقاتلون المتطرفون من المجموعة المعروفة باسم "الدولة الإسلامية" منطقة سنجار بالطريقة نفسها التي دخلوها بها خلال شهر آب (أغسطس) من هذا العام: من دون أي اشتباك حقيقي أو معارك ضارية.
يقول ميزر الشمري بينما يقف أمام منزله الذي يقع على الطريق المفضية إلى داخل سنجار، ويراقب القوات الكردية العراقية وهي تتقدم إلى الأمام: "أشعر بأنني أشاهد الشيء نفسه الذي كنتُ قد شاهدته قبل خمسة شهور". ويضيف: "في ذلك الوقت، انسحبت قوات البشمرغة (القوات الكردية العراقية) من القتال. واليوم تفعل مجموعة الدولة الإسلامية الشيء نفسه. يبدو الأمر وكأنهما قد قررا تبادل الأدوار فحسب".
منذ شرع الجيش الكردي العراقي في خوض القتال مع مجموعة الدولة الإسلامية التي أعلنت نفسها دولة، والتي تعرف على نطاق واسع باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أو "داعش"، ظلت سنجار تعد قطعة مهمة من الطريق بالنسبة لكل الداخلين في النزاع.
بالنسبة لمجموعة "داعش"، يتعلق الأمر بطريق إمداد رئيسي. وبالنسبة للأكراد العراقيين، تضم منطقة سنجار العديد مما يوصف بأنه أراضٍ متنازع عليها -أي أراض من المفترض أن تكون جزءاً من الملكية العراقية، لكنها وفق اعتقاد الأكراد العراقيين يجب أن تكون جزءاً من منطقتهم ذات الحكم شبه الذاتي. كما أنهم يعتقدون بأن الأيزيديين؛ المجموعة الإثنية الدينية، التي تعيش في سنجار والتي ما تزال مستهدفة بشكل خاص من جانب "داعش"، هي من الأكراد الذين ينتمون مباشرة إليهم.
وفي الأثناء، يرى الائتلاف الدولي الذي يقاتل "داعش"، غالباً بواسطة الضربات الجوية، أن منطقة سنجار ذات أهمية استراتيجية، وأنها إذا حوصرت، فإنه سيكون من الممكن فصل "داعش" في العراق عن "داعش" في سورية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تحرير هذه المنطقة من مقاتلي "داعش" سوف يتيح المجال أمام مرور آمن للعديد من الأيزيديين الذين ما يزالون عالقين في المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن محنة الأيزيديين صنعت العديد من العناوين الرئيسية حول العالم، وجذبت العديد من الوكالات الإنسانية، فضلاً عن أن الرئيس الأميركي باراك أوباما اعتبرها من الأسباب التي حملته على المبادرة إلى شن الحملة الجوية ضد "داعش" في الصيف الماضي.
ربما يكون أفضل الأوصاف المحلية للعلاقة بين سنجار والموصل هو: عندما يُضرب أنف سنجار، فإن عيون الموصل تذرف الدموع. ومع أن التطورات ما تزال بعيدة نسبياً عن الموصل، فإنها واحدة من المرات الأولى منذ بداية هذه الأزمة الأمنية، والتي تتأثر بها المدينة إلى هذا الحد بهجمات "داعش".
في الأسبوع الماضي، دخل الجيش الكردي العراقي بسرعة إلى داخل منطقة سنجار، مغطياً الكثير من المسافة في غضون 24 ساعة، ومدعوماً ببعض من أكثر الضربات الجوية التي شهدتها المنطقة فتكاً.
وبعد هزيمة "داعش" أصبح المدخل الغربي للموصل يعج بالناس المشردين القادمين من مناطق تلعفر والعيادية، حيث يشكل العراقيون من أصل تركماني أغلبية السكان. وكان قد ذكر سابقاً أن العديد من التركمان، وهم من السنة، قد يكونون يدعمون "داعش" المكونة من متطرفين مسلمين سنة. وكان التركمان أثناء شق طريقهم إلى داخل الموصل خائفين من العمليات الانتقامية من أي طرف قد ينطوي على اعتقاد بأنهم انحازوا إلى جانب "داعش"، كما أنهم كانوا خائفين أيضاً من أن يكونوا عرضة لاستهداف القصف الجوي الكثيف، بغض النظر عن أي جانب هو الذي يقفون معه. وغالباً ما يجري اتهام أي شخص بقي في تلك المناطق التي وقعت تحت سيطرة "داعش" بأنه حليف للتنظيم.
لكن الأشخاص المشردين حديثاً والذين يدخلون إلى الموصل يشكلون عبئاً إضافياً من غير المرجح أن تقوى المدينة على النهوض به لفترة طويلة من الوقت -خاصة وأن الطرق التي كانت الإمدادات تأتي من خلالها في العادة ما تزال مغلقة راهناً.
لكن المفارقة لم تغب عن ملاحظة أحد المواطنين المحليين، ليث هاثم، بينما كان واقفاً يراقب اللاجئين الجدد وهم يشقون طريقهم إلى داخل الموصل. فقال "قبل شهور قليلة أردنا الفرار إلى بلداتهم. والآن نراهم وهم يسعون للجوء في بلداتنا".
كان لانغلاق طرق الإمداد المحتمل أثره الفوري تقريباً على عدد كبير من المواطنين المحليين الذين اتجهوا إلى الأسواق لتخزين المواد الغذائية الأساسية. وثمة أصلاً أزمة وقود في الموصل، والتي يبدو الآن أنها ستزداد سوءاً إذا لم يتوفر وقود آخر يأتي من الجانب السوري.
في حديثه مع فريق "نقاش"، قال هاثم: "لقد مللت من الاستعداد للأزمة التالية. إنني أود أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يترتب عليّ القلق فيها من المجاعة والقنابل". وهو السبب الذي جعل هاثم يقول إنه لم يشأ في بداية الأمر الذهاب للتسوق مع بقية الناس الآخرين. لكنه عندما رأى أن كل جيرانه يتجهون إلى المحلات لشراء المؤن، غير رأيه.
ما يخشاه أهالي الموصل الآن أكثر ما يكون هو القصف الجوي لمدينتهم. وما تزال حية في أذهانهم ذكرى القصف العشوائي الذي أمطر الجيش العراقي به المدينة، وهم يخشون من تكرار الشيء نفسه مرة أخرى. ويحاول بعضهم العثور على أماكن قد يكونون قادرين على الاحتماء فيها إذا ما وصل الأمر إلى ذلك الحد.
بينما يظل صحيحاً أن المواطنين المحليين في الموصل رحبوا في البداية بمقاتلي "داعش" كمحررين للمدينة، فإنهم لا يستطيعون مغادرتها الآن حتى لو كانوا يريدون ذلك. فكل الطرق إلى داخل كردستان العراقية وباتجاه بغداد مغلقة. والآن، أصبحت الطريق إلى سورية مغلقة هي الأخرى. وبالإضافة إلى ذلك، لا تسمح "داعش" للمواطنين المحليين بالمغادرة لأي فترة من الزمن، بينما يشك العديد من المواطنين المحليين في أنهم سوف يُستخدمون كدروع بشرية إذا تعمقوا أكثر في المتاعب.
في الحقيقة، كان هناك العديد من المواطنين المحليين في الموصل ممن كانوا يخططون للدفع للمهربين من أجل نقلهم إلى داخل تركيا بطريقة غير قانونية عبر سورية. أما الآن، فلم يعد من الممكن القيام بهذه المغامرة الخطيرة.
في مدينة الموصل نفسها، تبدو "داعش" وكأنها ضائعة. وما يزال أعضاء "داعش" يتجولون في شوارع المدينة، لكنه يبدو أن معظم المقاتلين الأجانب ذهبوا. ويميل الذين تخلفوا في الشوارع إلى أن يكونوا مقاتلين محليين صغار السن، والذين لا يبدو بعضهم وأنه بلغ 25 سنة من العمر بعد.
يعترف بعض المقاتلين في الشوارع بأنهم أجبروا على الانسحاب من سنجار، وإنما يقولون ذلك بكتمان كبير. ويقول أحد الأطباء في الموصل، والذي كان يشرف على علاج إصابات مقاتلي "داعش" وهي تأتي على التوالي، شريطة عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: "إنك تشعر للمرة الأولى بمشاعر الخوف والتوتر لدى مقاتلي المجموعة. وبينما يزداد عدد القتلى والجرحى في صفوفهم، فإنهم يبدون وأنهم يفقدون الثقة في قيادتهم بازدياد".
بعد هزيمة "داعش" في سنجار، أصبح معظم المواطنين المحليين الآخرين يتساءلون عن الجهة التي ستحكم المدينة في المستقبل القريب. ويقول البعض إنهم يعتقدون بأن "داعش" ستنسحب ببساطة من المدينة من دون خوض معارك ضارية. لكن آخرين يستبعدون ذلك، ويقولون إن هذا التصور لا يعدو كونه ضرباً من أحلام اليقظة لأناس لطالما تاقوا لبعض السلام.

*أخذ هذا المقال من مادة كتبها خالص جمعة لموقع "نقاش" ونشرت يوم 24 كانون الأول (ديسمبر).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Has the Kurdish Victory at Sinjar Turned the Tide of ISIS War?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق