إبراهيم غرايبة

الإصلاح بما هو الموارد البديلة والجديدة

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:06 صباحاً

ينسب إلى الثورة البريطانية (العام 1688)، أنها بداية الديمقراطية في العالم. فقد أسست لجدالات وتفاعلات وصراعات جديدة في السياسة والاقتصاد في بريطانيا، ظلت قائمة عدة عقود بعد الثورة؛ من مثل صلاحيات الملك وحقه في الاستحواذ على الغابات وأخشابها والحيوانات التي تعيش فيها. وتشكلت مجموعات سياسية متنافسة، نقلت صراعها إلى البرلمان والانتخابات. وقد أنشأ ذلك، بطبيعة الحال، تعددية سياسية وديمقراطية راسخة، وتشكلت نظرة إلى التعددية باعتبارها ميزة إيجابية في المجتمع البريطاني، يجب تعزيزها. لكن هذه الثورة سبقتها عقود من النضالات الاجتماعية لأجل مواجهة الامتيازات والاحتكارات. ولعل الأهم هنا كان دخول آلات النسيج الجديدة، والتي بدأت في القرن السابع عشر تنشئ موارد جديدة حول القطن، حولها أعمال ونخب تجارية جديدة، تجد مصلحتها في مواجهة الإقطاع وامتيازاته الفظيعة.
في العام 1824، ألغيت قوانين الهيمنة الملكية على الغابات، والتي كانت تسمح بإعدام من يصيد غزالا. واعتبر ذلك تحولا كبيرا ضد الامتيازات التي كان يستفيد منها النبلاء بسبب هذا القانون، وانتصارا للمجتمعات على الإقطاعيين. ووضع حد نهائي للحقوق الإلهية المزعومة لفئة من الناس، كما كسر احتكار ممارسة السياسة والتشريع ليمتد إلى فئات وطبقات أوسع في المجتمع. وتعززت سيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين على اختلاف طبقاتهم، بلا استثناء، أمام القانون والمحاكم.
بدأت النخب التقليدية المتشكلة قبل الثورة تنحسر، لتحل محلها بالتدريج أو تشاركها نخب جديدة. وتغيرت التحالفات التي كانت تعتمد على النبلاء والتجار والصناعيين والسياسيين اليمينيين والمحافظين. ونجحت بريطانيا والولايات المتحدة في بناء مؤسسات شاملة، تعود بالفائدة على جميع المواطنين.
وقد أظهرت مجريات التنافس والصراع للناس أن لديهم حقوقا ومصالح يمكن استعادتها والدفاع عنها في المحاكم والبرلمان، ومن خلال الضغط والتأثير. هكذا نشأت الديمقراطية، إلا أنها بدأت منقوصة. إذ لم يكن يحق للمرأة التصويت، وكذلك معظم الرجال البالغين. لكن إسقاط الاحتكارات والامتيازات لم يكن إلا مسألة وقت. فقد شهدت العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر موجة من المكاسب الجديدة في المساواة الاقتصادية الاجتماعية، واستجابات لمطالب الجماهير في المساواة. لقد تشكلت الديمقراطية ونضجت في سلسلة من المكاسب والاستجابات الصغيرة والمتواضعة.
امتد حق الاقتراع ليشمل الرجال والنساء. وكان الاقتراع العام يعني تحسين الحياة، وتوفير مسكن وطعام وعمل ولباس جيد لكل مواطن، وتعزيز العدالة ومكافحة الفساد والاحتكار والامتيازات. وكانت هذه التنازلات من النخب للجماهير هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على النظام، ولتجنب القوة في المواجهة. وبدأت مواجهة أعمال شراء أصوات الناخبين. وفي العام 1918، أعطي حق التصويت لجميع الذكور البالغين الذين لا يقل عمرهم عن 21 عاما، وللنساء فوق سن الثلاثين.
وطُورت قوانين العمل لصالح العمال، وبدأت الدولة توفر مزيدا من الخدمات العامة في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وعدالة التوزيع والإنفاق العام، كما أصبح النظام الضريبي أكثر عدالة وتقدمية. لكن ذلك لم يتحقق إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية في روسيا. وارتفعت نسبة الأطفال الملتحقين بالمدارس من 40 % في العام 1870 إلى 100 % في العام 1900. وصدر في العام 1902 قانون التعليم الذي فتح المجال لتوسعة الإنفاق على التعليم، ليشمل التعليم الثانوي.
هكذا، فإن التقدم السياسي البريطاني، متبوعا بالتقدم الأوروبي والعالمي، كان سلسلة من التفاعلات بين الموارد والتغيير السياسي.

التعليق