جهاد المحيسن

هرولة إلى الوراء

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:04 صباحاً

في حالة المراجعة النقدية المفترضة للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي، والتي فرضتها شروط المرحلة الجديدة بعد ما عرف بـ"الربيع العربي"، فإن ذلك يستدعي من جميع القوى السياسية والفكرية نقد المرحلة السابقة بأسرها.
والمسألة لا تتعلق فقط بما يحدث الآن؛ من النقد غير الموضوعي في أغلب الأحيان للدين والثقافة السياسية المبنية عليه، فواقع الحال يتطلب النقد لكل الخطاب السائد، العلماني والديني على حد سواء. فكل من الخطابين لم يستطع أن يحقق أهدافه على أرض الواقع رغم سيادة الثقافة الدينية المبنية على فكرة "الخلاص الفردي"، ونفي فكرة الجماعة والإنسان والوطن، ما أفسح المجال لتمدد فكرة الإسلام السياسي. فالمسألة لا تتعدى في الخطاب التنظيري الخاص بالسياسيين والدعاة أصحاب رأس المال الرمزي "لحية وثوب ومسبحة"، ما ساهم في تضخمه وانتشاره كالنار في الهشيم في مجتمعاتنا، من دون أن يكون هناك خطاب نقدي عقلي؛ يستند إلى النص لنقده، والخروج بتحليلات تتسق والواقع المعاش، وتلغي فكرة الأسطورة والخلاص الفردي أو النقد التاريخي للمراحل.
ولا يختلف الخطاب العلماني كثيرا في معالجته للواقع، فقد انشغل بالتنظير الفوقي والمبني على مماحكات نظرية وسياسية، تصلح أن تكون نتاجاتها في بيت للحكمة أو صالون ثقافي، لأنها هي أيضاً أصيبت بالغيبيات في فهم الواقع، ولم تكلف نفسها عناء المواجهة مع الحياة اليومية، التي هي أبسط من أن تتلقى الخطاب المعرفي المبني على تحليلات ورؤى  تتطلب تحويل المجتمع كله إلى "مجتمع الفلاسفة"، وهذا بمنطق الأشياء حصل في عالم التنظير فقط عند أفلاطون والفارابي.
كلا الخطابين العلماني والديني ينطلق من أفكار مثالية، وأثبتت الأيام أنهما لم يتمكنا من رسم صورة حقيقية للواقع. ففي الديني الخلاص يكون بالآخرة، وأيضا في العلماني يكون في الآخرة كذلك، ولكن ليس بميزان الحساب والجنة والنار، بل بميزان تحرير المجتمع من تبعات التشتت والانقسام والتحرير والوحدة والعدالة الاجتماعية والحرية... إلخ، ولكن كيف؟
أتيح لكاتب هذه السطور أن يزور بلاد الشام في إطارها الجغرافي الحالي المُقسم، ما عدا فلسطين المحتلة، ووجدت أن نسق البناء في الأرياف والبلدات، ولست معنياً كثيرا بالمدن الرئيسة فيها (أي العواصم)، يتشابه بشكل مطلق وتكاد تجد صورة البناء في الهرمل أو  ظهور الشوير، تتسق وطبيعة البناء في حمص والطفيلة وعجلون، والحال تنطبق على بلدات ومدن فلسطين المحتلة كذلك.
وإذا كانت اللهجات تختلف، فإن هذا الاختلاف لا يعني أن اللهجات الأربع لا يمكن فهمها، أو أن الناس والجغرافيا والعادات والأكل والشرب والفرح والحزن مختلفة. لكن لم نكلف أنفسنا دراسة هذا الواقع وفهم هذه المشتركات، قبل القفز على البناء الفوقي.
فعندما بدأت حركة الكشوف الجغرافية، وما تلاها من حركة الاستعمار الغربي، درَسنا الغرب تفصيلياً؛ كيف نأكل وننام ونتعايش مع بعضنا أو نتصارع، عرف كيف نفكر ونتفكك، دخل وأحكم قبضته، وقسمنا إلى قبائل وطوائف متناحرة حتى في الأفكار، ونحن نهرول إلى الوراء "مكيفين"!

التعليق