خبراء يؤكدون أهمية تحفيز ثقافة التطوع لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية

تم نشره في الأحد 4 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً
  • مبنى إدارة البنك العربي في عمان - (أرشيفية)

إبراهيم المبيضين

عمان - في ظل الأوضاع الاقتصادية المتقلبة التي فرضت ظروفا صعبة على شريحة واسعة من الأردنيين؛ خصوصا ذوي الدخل المحدود؛ ومع استمرار التأثيرات السلبية لظاهرتي البطالة والفقر على المجتمع؛ تظهر جلياً أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص التي تنفذها منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو مع مؤسسات المجتمع المدني.
وعلى الشركات أن لا تتبنى برامج المسؤولية الاجتماعية للمجتمع وكأنها عبء عليها؛ بل يجب أن تنظر إليها كواجب للمساهمة في التنمية الاقتصادية من باب رد الجميل للمجتمع الذي أسهم في تطور أعمالها ونمو أرباحها.
ومن جهة أخرى؛ يجب أن تركز شركات القطاع الخاص بمختلف أطيافها على المبادرات والمشاريع التي تحدث تأثيراً طويل المدى في المجتمع أو حياة الفرد الاجتماعية والاقتصادية.
وليس هنالك أفضل من أن تمس برامج المسؤولية الاجتماعية قضايا البطالة والفقر والمساعدة على تحويل المشاريع الريادية الى إنتاجية، فضلاً عن  أهميتها في دخولها قطاعات التعليم والصحة وتوفير المسكن. 
"الغد" تحاول في هذه الزاوية أن تتناول حالات لبرامج، أو تعد تقارير إخبارية ومقابلات تتضمن المفاهيم الحقيقية للمسؤولية الاجتماعية لشركات من قطاعات اقتصادية مختلفة تعمل في السوق المحلية.
الى جانب ما يتميز به مفهوم " العمل التطوعي" من مزايا وجوانب أنسانية واجتماعية جميلة تزيد من لحمة المجتمع بكل أجزائه ومكوناته، يؤكد خبراء على الأهمية الاقتصادية لتوسيع نطاق هذا المفهوم ونشره بين أوساط المجتمع، وموظفي شركات ومؤسسات القطاع الخاص، وتعزيز مساهماتهم الذاتية غير الإلزامية في التنمية الاقتصادية للمجتمعات.
ودعا الخبراء شركات القطاع الخاص الى ضرورة تعزيز ثقافة "التطوّع" بين أوساط موظفيها، والعمل على تحفيزهم للمشاركة في مبادرات المسؤولية الاجتماعية التي تقوم بها هذه الشركات بين الحين والآخر لتعالج قضايا ومشاكل اقتصادية واجتماعية متعددة مثل الفقر والبطالة، كما دعوا المؤسسات الى تجاوز العقبات التي من الممكن أن تواجه تطبيق المفهوم الحقيقي للتطوع بين الموظفين لاسيما أن التطوع هو عمل خيري ينفذه المتطوع طوعا دون مقابل مادي يبذل فيه وقتا إضافيا ضمن أوقات عمله أو خارج أوقات العمل الرسمي، وهي الأمور التي قد تحد من إقبال العديد من الموظفين على العمل التطوعي في كثير من الأحيان.
وأكدوا اهمية التطوع وتعزيز الوازع الداخلي لدى الموظف للقيام بأعمال مسؤولية اجتماعية ضمن مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركة أو بعيدا عنها، الأمر الذي يكمل الجهود الحكومية وغير الحكومية في محاربة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات.
وكان العالم احتفل بداية الشهر الحالي بيوم التطوع العالمي وهي احتفالية عالمية أعلنتها الأمم المتحدة في العام 1985، عندما حددت يوم الخامس من شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام يوما عالميا تحتفي به غالبية بلدان العالم لإبراز مفهوم التطوع.
وشهدت المملكة قبل خمسة أشهر إطلاق مبادرة "تطوّع" التي تهدف الى تعزيز قدرة المؤسسات والمبادرات على توظيف وإدارة شؤون المتطوعين، وغرس حس المسؤولية الاجتماعية للمواطنين من جميع مراحلهم العمرية.
كما تهدف المبادرة - التي وقع على وثيقتها 50 شركة ومؤسسة دعمتها - الى مأسسة العمل التطوعي في الأردن، وتعزيز ثقافة المسؤولية الاجتماعية وتجذيرها في المعتقدات والممارسات الاجتماعية، وتستهدف طلبة المدارس والكليات والجامعات، وذوي الخبرات من موظفي القطاعين العام والخاص، وقطاع مؤسسات المجتمع المدني والشركات الأردنية ومراكز التطوع.
ويعرف الناشط في العمل الاجتماعي، مؤسس مؤسسة " الجود" ماهر قدورة التطوع بأنه ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل خدمة المجتمع في مجالات متعددة دون مقابل، مؤكدا أهمية نشر ثقافة "التطوّع" بين أوساط جميع شرائح المجتمع الأردني وبين أوساط موظفي القطاع الخاص وذلك لما لهذا المفهوم من أدوار إنسانية واجتماعية واقتصادية، فضلا عن كونه مكونا أساسيا من مكونات الاستدامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية.
وقال قدورة لـ "الغد" إن المهم أن تعمل شركات ومؤسسات القطاع الخاص على نشر هذه الثقافة بين موظفيها وأن تحفزهم للعمل عليها، بين الحين والآخر ضمن مبادراتها للمسؤولية الاجتماعية، مشيرا الى أن "المفاهيم والسلوكيات الإيجابية" كما هي "المفاهيم والسلوكيات السلبية" تتصف بأنها "معدية"، الأمر الذي سيضمن على المدى الطويل تعميم هذه الثقافة بين أوساط الناس وزيادة الفوائد التي تعم المجتمع نتاجا لها.
وأضاف قدورة: "إن التطوع يلغي صفة التفرج وعدم الاكتراث بالغير، ويدمج الإنسان والمؤسسة بمجتمعها أكثر، ما يزيد من لحمة المجتمع والإحساس والشعور بالآخر وكلها مفاهيم إيجابية تحدث التنمية الاقتصادية والاجتماعية المرجوة"، داعيا شركات القطاع الخاص والمؤسسات لابتكار سبل ذكية لتحفيز الموظف على التطوع والمشاركة في مبادرات المسؤولية الاجتماعية، كأن يصبح التطوع واحدا من المؤشرات الأساسية للتقييم السنوي للموظف.
ويعتبر البنك العربي واحدا من مؤسسات القطاع الخاص التي تحرص على نشر ثقافة التطوع بين موظفيها، حيث قام البنك الشهر الحالي بتظيم حفل خاص كرم فيه موظفي البنك المتطوعين في برنامج "معاً" والذين شاركوا خلال العام بمجموعة من النشاطات والمبادرات الرامية إلى خدمة المجتمع المحلي في العديد من المجالات منها: الصحة وحماية البيئة ومكافحة الفقر والتعليم ودعم الأيتام.
وقال البنك العربي في ردّه على أسئلة لـ "الغد" إنه يحرص على مشاركة موظفيه في الأعمال التطوعية انطلاقا من إيمانه بأهمية دورهم في تحقيق التنمية المستدامة، حيث إنه على المؤسسات تبني وتنفيذ مفهوم المسؤولية الاجتماعية والتنمية المستدامة بطريقة منهجية واستراتيجية تماشياً مع احتياجات المجتمع وكافة الجهات ذات العلاقة والتي يعتبر موظفو المؤسسة أحد أركانها الرئيسية.
وأضاف "العربي" في إجاباته: "بالإضافة إلى ذلك، ولإيمان البنك بضرورة رفع قدرات موظفيه من خلال إدماجهم في المجتمع، عمل البنك على زيادة مستوى وعيهم بقضايا الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية من خلال تنظيم نشاطات ومبادرات تحفز العمل الإيجابي، حيث تهدف هذه المبادرات أيضا الى غرس حس المسؤولية لدى الموظفين وانتمائهم للمجتمع حيث إن مشاركة الموظفين من كافة الدوائر والفروع والمحافظات يساعد على تفهم احتياجات المجتمع وعلى خلق بيئة إيجابية في العمل تساعد على زيادة الإنتاجية كما يساعد إدماج الموظفين على التطوع بتعريف الموظفين على زملائهم من أقسام وفروع أخرى خارج أوقات العمل الرسمي مما يعزز روح العمل كفريق".
ونجح البنك العربي في العام 2014 - و من خلال برنامج البنك للمسؤولية الاجتماعية "معاً" - في تنفيذ 39 مبادرة بمشاركة 302 موظف متطوع، حيث استفاد من هذه المبادرات أكثر من 85 الف شخص من كافة أنحاء المملكة، إذ جرى تنفيذ هذه المبادرات بالتعاون مع المؤسسات غير الهادفة للربح المشاركة في برنامج "معاً"، بالإضافة إلى مؤسسات محلية أخرى غير الهادفة للربح، تعمل في: الصحة ومكافحة الفقر وحماية البيئة والتعليم ودعم الأيتام.
وقال نائب رئيس أول-مدير إدارة "البراندنج" في البنك العربي طارق الحاج حسن: "يأتي برنامج معاً للمسؤولية الاجتماعية ليضيف بعداً آخر في سعي البنك نحو تحقيق الاستدامة الشاملة، إذ يقدم هذا البرنامج الفريد مثالاً حياً على كيفية دمج البنك وعملائه وموظفيه والجهات غير الربحية للعمل معاً على قضايا أساسية: في مجال الصحة والبيئة ومكافحة الفقر والتعليم والأيتام بشكل يصنع الفرق ويعظم العائد على المجتمع".
وأضاف الحاج حسن: "فالعمل التطوعي الذي ينخرط فيه موظفونا بوقتهم وجهدهم، هو ركيزة أساسية من ركائز نهج الاستدامة المؤسسي في البنك العربي فكل مبادرة تطوع يشارك فيها موظفونا هي ترجمة فعلية لهذا النهج، وتحقيق لرؤية البنك وتجسيد لأرقى درجات الانتماء ورد الجميل للمجتمع والوطن".
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الخرابشة أن العمل التطوعي عادة ما يواجه العديد من العقبات منها عدم إدراك المعنى الحقيقي للتطوع وعدم وجود الحافز لدى الموظفين العاملين في الشركة أو المؤسسة للقيام بأعمال تطوعية لاسيما إذا كانت أوقات تنفيذ مبادرات المسؤولية الاجتماعية تقع خارج أوقات الدوام الرسمي، أو في أماكن بعيدة عن مكان سكن الموظف، فضلاً عن اعتقاد البعض بأن التطوع وبما أنه عمل غير رسمي فلا يجب أن يعطى الاهتمام والوقت الكافي لتنفيذه.
وقال الخرابشة إن على المؤسسة أن تعمل على تحفيز الموظف وتقنعه بأهمية العمل التطوعي لشخصه وعمله وعائلته ومجتمعه، من خلال حوافز قد تقدمها له بشكل غير مباشر.
ويعرف المتطوع بأنه الشخص الذي يسخر نفسه عن طواعية ودون إكراه أو ضغوط خارجية لمساعدة ومؤازرة الآخرين وخدمة المجتمع.
الى ذلك، قال البنك العربي إن ثمة فوائد مباشرة وغير مباشرة تعود على الموظف والمجتمع من العمل التطوعي، وقال: "إن الانخراط بالعمل التطوعي يساعد على تطوير الذات من خلال زيادة الخبرة والمعرفة ومهارات الاتصال والتواصل ومهارات العمل الجماعي، إدارة الوقت، التعبير عن الذات والتنظيم، وغيرها من المهارات. كما أن العمل التطوعي يعزز شعور الانتماء وأخذ المبادرة والثقة بالنفس بما ينعكس على أداء الموظف في العمل اليومي".
كما يرى "العربي"، أن العمل التطوعي وتقديم المساعدة للآخرين يحقق للموظفين نوعاً من الشعور بالسعادة والرضا عن النفس بعيدا عن ضغوطات العمل اليومي حيث يصبح شعور العطاء جزءا من الشخصية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على نفسيات الموظفين داخل العمل وبالتالي على بيئة العمل ككل.

التعليق