الفساد يعرقل جهود إعادة إعمار غزة بعد صراع الصيف الماضي

تم نشره في الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً
  • فلسطينية تقف على ركام منزلها الذي تعرض لقصف خلال العدوان على غزة -(ا ف ب)

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان - تُواصل عمليات إعادة إعمار قطاع غزة، عقب حرب الصيف الماضي التي استمرت 50 يوماً مع إسرائيل، على وتيرة متجمدة نوعاً ما نظراً لوصول كميات صغيرة جداً من مواد البناء الموعودة.
ووسط تصاعد الانتقادات حول الوتيرة البطيئة لجهود إعادة الإعمار، خرجت صحيفة "ذا جارديان" بحقيقة أن الآلية المثيرة للجدل التي صممتها الأمم المتحدة لمراقبة إمدادات مواد البناء –والحيلولة دون وقوعها في أيدي حركة حماس– كانت فاسدة إلى حد كبير.
وحذر تقرير نشرته منظمة "أوكسفام" الشهر الماضي من أنه على الرغم من الـ5.4 مليار دولار التي تم التعهد بها في مؤتمر المانحين الدولي العام الماضي، والاتفاقية التي وقعت بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والأمم المتحدة للسماح بوصول مواد البناء إلى غزة، إلا أن المواد دخلت ساحل القطاع في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) بكميات تصغر بكثير ما كانت عليه في فترة ما قبل الحرب.
وبين تقرير "أوكسفام" أن قطاع غزة تلقى 287 ليس إلا من حمولات الشاحنات في تشرين الثاني (نوفمبر)، مشيراً إلى أن "عمليات الإعمار والتمنية قد تستغرق عقوداً على هذه السجية".
من جهتها، تُقدر الأمم المتحدة أن نحو 100,000 منزل تضررت أو دُمرت في الصراع الأخير –ما أودى بحياة 2.100 شهيد فلسطيني– لتؤثر على حياة أكثر من 600 ألف نسمة من سكان غزة.
ما يزال هناك العديد ممن لا يستطيعون الوصول إلى شبكة مياه البلدية في القطاع، بينما يشيع أيضاً انقطاع التيار الكهربائي لفترات قد تصل إلى 18 ساعة في اليوم.
صمم مبعوث الأمم المتحدة "روبرت سري" آلية إتاحة دخول مواد البناء إلى غزة –بما في ذلك من رصد توزيع واستخدام الخرسانة– لغاية طمأنة مخاوف الحكومة الإسرائيلية بأن الاسمنت لن يصل إلى حركة حماس التي ستستخدمه لأغراض عسكرية، بما في ذلك بناء الأنفاق.
ولكن أعرب بعض الأعضاء في الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية بشكل خاص عن مخاوف تتعلق بأن الآلية –التي تنطوي على التفتيش والتسجيل والرصد– عرضة للفساد.
خلال زيارته الأخيرة في شهر كانون الأول (ديسمبر)، أشار سري إلى أنه قلق حيال وتيرة جهود إعادة الإعمار وسط الظروف التي وصفها "بالصعبة"؛ حيث قال: "فاقمت القضايا الصعبة، إلى جانب عدم كفاية المساعدات المالية التي تقدمها الجهات المانحة، الأوضاع في قطاع غزة المدمر أساساً"، مضيفاً أن الأمر أصبح "مثيرا للقلق بشكل كبير".
وفي هذا السياق، دعا سري جميع الجهات المعنية والمجتمع الدولي إلى بذل الجهود في دعوتهم لمساعدة قطاع غزة، وذلك خلال زيارته الأخيرة إلى مجلس الأمن الدولي.
"وهذا يشمل التقدم على جميع الجبهات. التقدم الذي يجب أن يتم الآن خشية أن نرى غزة تعاود السقوط في صراع آخر".
ولكن على الرغم من وعود تقول أن نحو 20.000 أسرة ستتأهل للحصول على المساعدة في إعادة إعمار منازلها، إلا أن المشاكل والجدالات ضربت آلية هذه المساعدة.
ضمن إطار عمل مخطط الأمم المتحدة، يتم بدايةً تقييم أوضاع الأسر لمعرفة ما إذا كانوا مؤهلين لتسلم مواد البناء أم لا، ومن ثم يتم تسجيلهم لتصدر لهم قسيمة تسمح لهم بشراء كمية مواد محددة من المستودعات التي تخضع لمراقبة نظام التفتيش الذي تديره الأمم المتحدة.
ومع ذلك، وخلال زيارتها الأخيرة إلى مستودعات الأسمنت في غزة، وجدت "ذا غارديان" أن الأسر التي تحمل القسائم تعاود بيع الأسمنت على بعد بضعة أقدام خارج أبواب المستودع -بتكلفة تصل إلى أربعة أضعاف سعر الشراء- في غضون دقائق من تسليمه لهم.
وفي أماكن أخرى، سمعت ذا جارديان ادعاءات تتعلق بالمسؤولين الذين يتلقون الرشاوى مقابل تقديم قسائم لكميات تعظم حاجة الأسر من الاسمنت؛ حيث يعاد بيع الفائض في السوق السوداء، مع غض تجار مرخصين النظر عن الأمر أو المشاركة فيه.
في أحد أكبر مستودعات مدينة غزة، يشتكي المدير ماهر خليل مدى تعقيد النظام.
 وتحدث إلى صحيفة "ذا جارديان" قائلاً: "نحن نفعل ما يتوجب علينا فعله. فهناك قائمة بأسماء الأفراد نضعها في الخارج، وهم يتحققون من أسمائهم ويأتون بالقسائم. ومن ثم نتحقق نحن من هوياتهم ونعطيهم الاسمنت".
وأضاف: "لقد أخبرنا مفتشي الأمم المتحدة الذين جاءوا لرؤيتنا أننا نستطيع أن نتحقق مما يدور داخل المستودع فقط، وليس ما يحدث في الخارج. نحن نبيع طن الاسمنت في الداخل بسعر 500 شيكل (ما يعادل 81 جنيها استرلينيا)، وهم يبيعونه في الخارج بما يقارب 1.600".
وفور خروجها من المستودع، صادفت ذا جارديان رجالاً بعربات أحصنة محملة بالاسمنت، والذين عرضوا بيع وشراء الاسمنت. عرض أحدهم شراء كيس –عادة ما يُكلف 27 شيكلا- مقابل 70 شيكلا، مشيراً إلى أنه سيبيعه بـ90 شيكلا، بينما عرض تاجر شارع آخر يملك عربة محملة بالاسمنت بيع الاسمنت بالطن.
وفي قاع هذه السلسلة الغذائية كان أدهم، صبي هزيل في التاسعة من العمر، يجمع غبار الاسمنت من العربات ليضعه في كيس يخطط لبيعه بـ5 شيكل بغية شراء وجبات خفيفة له ولإخوته.
وفي هذا الخصوص، قال الخبير الاقتصادي، عمر شعبان،: "ذلك وصمة عار ما يحدث". "لقد استنسخت آلية إعادة الإعمار الجديد الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، إلا أن الفرق هذه المرة هو أن الأمم المتحدة هي من تنظم ذلك. إن الأمم المتحدة تبدل الاستقرار بالاسمنت – وليس بالكثير منه أيضاً. ويتم بيع معظم الاسمنت الذي يدخل القطاع في السوق السوداء. وإسرائيل تعلم بالأمر. سري يعرف بالأمر كذلك. لقد كانت الآلية رخصة للفساد. إنها لرخصة لإطالة أمد الحصار. رخصة لرواتب كبيرة يتحصل عليها مسؤولو الأمم المتحدة الذين يديرون الأمر برمته. والغريب في الأمر أن أيا من ذلك يمنع إعادة بناء حركة حماس لذاتها".
تبدو دلالات الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون، الذين دُمرت منازلهم أو تضررت في غزة، واضحة المعالم تقريباً في كل منعطف.
ففي حي الشجاعية، أحد أكثر المناطق التي ضربت أثناء الحرب، أزيلت الأنقاض من الشوارع، ولكن كان هناك القليل من الأدلة على أن أي شخص قام بإعادة إعمار منزله.
الاستثناء الوحيد كان نبيل إياد، الذي كان يشرف على مجموعة صغيرة من العمال لبناء جدار حول المنطقة التي كان متجر ابن شقيقه يقف فيها ذات مرة.
والذي أخبر ذا جارديان بأنه: "كان من الصعب جداً إيجاد جميع المواد. فقد حصلنا على الطوب في السوق السوداء، وهي عادة ما تكلف 2.7 شيكل لكل واحدة منها، لكننا اضطررنا إلى أن ندفع 4 شواكل لكل منها. لدينا المال اللازم لبناء جدار، وليس لإعادة بناء المتجر كاملاً. ولكن المعظم لا يملكون أية أموال على الإطلاق لعمليات إعادة الإعمار. الأولوية الحالية هي الجدار، ومن ثم سنعيد تعمير متجرنا خطوة بخطوة عندما نستطيع تحمل تكاليف ذلك".
لكن سامي سعد، صاحب الـ 37 عاماً، والذي ما يزال يعيش مع أسرته في إحدى المدارس التي حولتها الأمم المتحدة إلى ملجأ– واحد من كثيرين يقارب عددهم 70 ألفا دون سكن مناسب- كان ذا حظ أسوأ. فقد دمر منزله في حي الشجاعية بعد 10 دقائق من فراره منه. يحتاج ابنه يوسف إلى عملية لا علاقة لها بالحرب، وهو يأمل أن يأخذ أسرته بعيداً إلى الأردن أو السعودية.
في حال تمكن من الرحيل، لا يبدو أنه يخطط للعودة مرة أخرى؛ حيث قال، بينما توسط غرفة صف مجردة تخدم الآن كغرفة نوم: "إذا ما استطعت الرحيل، لن أعود مجدداً. كان لدي متجر ملابس وبيت جيد لم يتبق منها شيء الآن. أحتاج إلى مكان أعيش فيه بكرامة. فلا كرامة هنا".
من جهتها، قالت المديرة الإقليمية لمنظمة "أوكسفام"، كاترين ايسين: "إنه لمن المؤسف أن القليل القليل من التقدم أحرز، نظراً إلى ضخامة حجم الاحتياجات والدمار واسع النطاق. يؤول الناس في غزة إلى أن يصبحوا محبطين على نحو متزايد ومتفهم إزاء عدم إحراز تقدم ملحوظ".
وأضافت: "لقد خذل المجتمع الدولي سكان غزة مراراً وتكراراً؛ يجب ألا يخذلهم مجدداً في مثل هذا الوقت الحرج".

"بيتر بيومونت/ ذا غارديان"

[email protected]

التعليق