د.باسم الطويسي

هل ما تزال الديمقراطية أولوية؟

تم نشره في الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2015. 12:06 صباحاً

مع أفول بريق "الربيع" والتحولات العربية، والذي يتزامن مع صعود غير مسبوق لموجة من التطرف الديني والسياسي والاجتماعي في العالم العربي، علينا ملاحظة التحولات التي باتت تضرب عميقا في برامج العمل التي تحدد أولويات المنطقة واحتياجاتها، والسرعة الهائلة التي تنقلب فيها القناعات. ولعل واحدا من أهم هذه الانقلابات تراجع القناعة بأولوية الإصلاح السياسي على غيره، كما يبدو في أجندة الأشهر الأخيرة، وما يتوقع لسنوات أخرى. وهو الأمر الذي ينسحب على الأجندة الدولية، وعلى أجندة النظم السياسية المحلية التي أخذ بعضها خطوات إصلاحية ذاتية، على اعتبار أن التحول الديمقراطي استحقاق لا بد من الذهاب إليه، بدلا من أن يفرض عليها. لكن يبدو الجديد في أن النخب الحاكمة أخذت تراجع هذه القناعة، وكذلك المجتمعات التي أخذ الشك في أولوية الخيار الديمقراطي يزدهر لديها، في ضوء ما تشاهده من فواجع وخسائر تنسب إلى هذه التحولات.
حالة الخوف على التحولات الديمقراطية في مجتمعات "الربيع العربي" مشروعة تماما. وهو ليس خوفا مرضيا، بل استجابة منطقية ترى كيف تذهب الأمور في هذه المجتمعات نحو المزيد من خلق الحواجز التي تبعد الناس عن الممارسة الديمقراطية الفعلية، وأحيانا بما يتجاوز ما نتوقعه من المرحلة الانتقالية. بل قد يصل بعض التحولات التي أخذت تطل برأسها إلى خلق قطيعة بين هذه المجتمعات والممارسة الديمقراطية. كل هذه المخاوف تطرح موقع التحولات السياسية العربية، كما هي الحال في مصر وليس بعيدا عن ذلك الأردن، للمناقشة من منظور تدشين الديمقراطية على روافع اجتماعية عميقة.
توجد ثلاثة أبعاد أساسية للحوامل الاجتماعية للديمقراطية، علينا مراقبة مدى تمثل مجتمعات "الربيع العربي" اليوم لها، وهل يفسر غياب هذه الأبعاد حالات التعثر والضجيج والقطيعة، مع وجود ديمقراطية تأسيسية تشاد على أسس متينة.
البعد الأول: العمق الاجتماعي للديمقراطية؛ أي اتساع القاعدة الاجتماعية المؤمنة بالإصلاح، والمعتقدة بالديمقراطية طريقا للحل ولتغير نوعية حياة الأفراد والجماعات نحو الأفضل. أي أن نبحث عن عمق الديمقراطية في القواعد الاجتماعية العريضة، بحيث يكون حضور المطالب الديمقراطية ليس مجرد حضور وعمل نخبويين، بل يذهب عميقا في المجتمع والحياة اليومية وفي الثقافة الشعبية، ويتجسد في المجتمع المدني الفاعل. فالعمق المجتمعي للديمقراطية يعني التحول الكيفي العظيم الذي يجعل من الانقسامات الاجتماعية الحادة حول الأديان والمذاهب والإثنيات والثقافات الفرعية وغيرها، حالة من التنوع داخل الوحدة، وبالتالي مصدرا للثراء وقوة المجتمع.
البعد الثاني: العمق النفسي للفرد في مدى تمثل القيم الديمقراطية في المشاعر والأحلام والانفعالات وفي السلوك اليومي. وفي غياب هذا المعطى، فإننا نتحدث عن ديمقراطيات تشيد من دون ديمقراطيين، وعن نخب تصعد إلى السلطة على سلالم الديمقراطية من دون أن تكون قد تشربت بشكل حقيقي للقيم الديمقراطية. ولطالما شهدنا نخبا وزعماء صعدوا على ظهر الديمقراطية، وما إن وصلوا حتى ركلوها بالأقدام.
لذا، يذهب هذا المبدأ إلى البحث عن النظم المعرفية والانفعالية للأفراد، وتحديدا الفئات القيادية؛ وهل هي ديمقراطية في سلوكها السياسي واليومي وفي قناعاتها. الأمر الذي يجعل تدريب القيادة على الديمقراطية منهجا نفسيا وسياسيا معترفا به.
البعد الثالث: الديمقراطية التفاعلية. وهي تنطوي على التفاعل الجماعي والمؤسسي، ومدى تشكل المجال العام المؤسس على أسس متينة توفر فرص التعبير العادل من دون خوف أو تهميش أو إقصاء؛ في الشارع، والمقهى، والجامعة، والنادي، والساحات العامة، ما يوفر للعمق المجتمعي فرص التعبير المتساوي. وتلعب في هذا النمط الديمقراطي وسائل الإعلام التعددية ومؤسسات التنشئة الناضجة، دورا أساسيا في عمليات الغرس الثقافي للديمقراطية.
وبالعودة إلى المجال العام العربي الجديد الآخذ بالتشكل منذ انطلاق الثورات الشعبية والحركات الاحتجاجية، نلاحظ حجم الفقر الديمقراطي الاجتماعي والثقافي الذي يعيق التقدم، الأمر الذي قد يطيل من المرحلة الانتقالية، ويزيد من تعقيد أزماتها ومن عذاباتها، وقد يشكل انتكاسة عميقة.

التعليق