ماجد توبة

علي بن أبي طالب وبرد الأردن!

تم نشره في الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2015. 12:05 صباحاً

"لو كان الفقر رجلا لقتلته".. لم تغب هذه الحكمة التاريخية لعلي بن أبي طالب عن خاطري، طوال فترة المنخفض الجوي القطبي الأخير، وما جلبه من برد شديد وانجماد وصقيع.
البحث عن الدفء، وصعوبة توفره لمئات الآلاف من المواطنين، في مثل هذه الأجواء المربعانية، بصورة كافية وحقيقية، هو ما يستحضر حكمة ابن أبي طالب، وهجائه الخالد للفقر. فكيف يتوفر الدفء والقدرة على احتمال الأجواء قارسة البرودة، في بلاد يرزح تحت نير الفقر فيها مئات الآلاف من مواطنيها، تعجزهم الحاجة وضيق ذات اليد عن توفير وقود لنظام تدفئة كاف، وغير مشوه.
تعتمد نسبة كبيرة من الأردنيين، إن لم نقل الأغلبية، في التدفئة خلال الشتاء، على مدافئ الكاز أو الغاز، فيما تختلف نسبة التغطية لهذه التدفئة لحجرات المنزل بين شرائح مختلفة. ويمكن الزعم بثقة أن أغلب الناس لا تستخدم أكثر من مدفأة أو اثنتين في معظم الأحيان، توفيرا للنفقات، أو بالأحرى، لعدم القدرة على توفير كلفة وقود أكثر من مدفأة أو اثنتين!
أما الشرائح الفقيرة جدا، وهي تشكل نسبة كبيرة جدا من المجتمع، فقد يصعب عليها تشغيل مدفأة واحدة طوال اليوم، حتى في عز الثلج أو البرد القارس. فيما تقلصت، أيضا، في سنوات تحرير أسعار المحروقات وارتفاع أسعار الديزل، شريحة مستخدمي التدفئة المركزية بصورة كبيرة، بحسب ما يلمس المراقب. أما مستخدمو تدفئة "الكونديشن"، المعتمد على الكهرباء، فهم أيضا في اضمحلال، جراء ارتفاع أسعار الكهرباء المتواصل، وعدم القدرة على مجاراة فواتيرها الباهظة!
طبعا، ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، ومضاعفتها خلال الأعوام القليلة الماضية مع تطبيق سياسة تحرير الأسعار وإلغاء الدعم، يترافق لدى أغلب المواطنين، مع تزايد أعباء المعيشة، وغلاء أسعار السلع والخدمات الأخرى، وثبات سلم الرواتب والدخول، ما وسع الفجوة بين المتاح من إمكانات مادية وبين المطلوب للإنفاق لتوفير أساسيات الحياة ومتطلبات الأسر، إذ تحتل التدفئة الشتوية، على أرض الواقع، أدنى سلم الأولويات أمام ضرورة توفير حاجات الغذاء والملبس والطبابة والتعليم.
الحاصل أن أغلب الأردنيين، في المربعانية وليالي الشتاء الباردة والقارسة، لا يكادون ينعمون بالدفء الحقيقي والكافي في بيوتهم. وليس من المبالغة القول إن أغلب الأسر المصنفة ضمن شريحتي الفقراء ومتوسطي الدخل، تحرص في مثل هذه الأيام الباردة، على ضمان توفر الدفء والتدفئة في غرفة أو صالة واحدة من المنزل، فيما تلف أجواء "سيبيريا" والقطبين المتجمدين الشمالي والجنوبي باقي أرجاء المنزل. 
في بلاد أوروبا الشرقية وروسيا، والتي تمتاز بطقسها القاسي في الشتاء، يتم تدفئة منازل المواطنين، مركزيا، عبر أنابيب الماء الساخن، القادمة من محطات حرارية ضخمة، تبث الدفء في أوصال المدينة، وبرسوم منخفضة تمكن أغلب الناس من الاستفادة منها، فيما تمكن المستويات المعيشية الجيدة لمواطني الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، أغلب الناس من تأمين تدفئة منازلهم على مدار الساعة وبصورة كافية، عبر التدفئة المعتمدة على الكهرباء.
أما عما يسببه غياب التدفئة أو عدم كفايتها في بيوتنا، خلال فصل الشتاء، وخاصة في مربعينيته، من أمراض وأضرار صحية بالبشر ومعاناة، فحدث ولا حرج.
هل عرفتم الآن لماذا سيطرت على عقلي ونفسي، خلال موجة البرد الأخيرة، حكمة ابن أبي طالب؟!

التعليق