الحلقة الثانية من "سياسي يتذكر"

مضر بدران: كرة القدم أنقذت زملاء من الاعتقال في سورية

تم نشره في الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2015. 12:28 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 12 شباط / فبراير 2015. 01:48 مـساءً
  • أستاذ القانون بجامعة دمشق مصطفى البارودي (الثاني يمينا) في التحضير لحملة التبرعات للجيش السوري-(من المصدر)
  • مضر بدران (يسار) وإلى جانبه المحامي راتب الوزني خلال فترة الدراسة بدمشق-(من المصدر)
  • بدران وطلبة كلية حقوق جامعة دمشق في زيارة للديوان الملكي الهاشمي مطلع الخمسينيات-(من المصدر)
  • بدران مع زميلين له أمام كلية الحقوق بجامعة دمشق مطلع الخمسينيات-(من المصدر)
  • رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران يتحدث لـ"الغد" ضمن سلسلة "سياسي يتذكر" - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الرواشدة 

عمان- يستكمل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، حديثه اليوم، عن أيام دراسته في جامعة دمشق، ويلخص في هذه الحلقة جزءا مهما من تجربته السياسية، خلال سنوات دراسته الجامعية.

ويوضح بدران في الحلقة الثانية، من مذكراته السياسية، والتي تنشرها "الغد" ضمن حلقات زاويتها "سياسي يتذكر"، دور الجامعة في صقل شخصيته وتجربته.

وكان بدران بدأ الحديث أمس عن نشأته ودراسته الابتدائية في جرش والثانوية في الكرك، قبل السفر لدمشق ودراسة الحقوق في جامعتها، ضمن تفاصيل كثيرة سيتحدث فيها، عن النكبة ودمشق، وما بينهما من حياة سياسية.

ويصف بدران اليوم الحركة الطلابية الشبابية في جامعة دمشق، ودورها في الإطاحة بحكومة أديب الشيشكلي، إبان فترة الحكم العسكري في سورية.

ويخوض في شرح بعض مغامراته السياسية في الجامعة، خصوصا وأنه الناشط في صفوف الطلبة السوريين، والباحث عن تفريغ طاقاته بالعمل العام انذاك.

ويغوص بدران في شرح اندماجه بالمجتمع السوري، وانخراطه خلال أسبوع من جمع التبرعات لصالح تسليح الجيش السوري، ومشاركته في تنظيم أكبر وقفة شعبية في ساحة المرجة في دمشق.

كما يؤكد قدرة طلبة الجامعة في دمشق على جمع تبرعات شعبية من مؤسسات وأفراد، وتقديمها للجيش السوري، بعد لقاء بدران وعدد من زملائه بالرئيس السوري شكري القوتلي. ويشير بدران في حلقة اليوم إلى الأسباب التي دفعته للتأخر عاما دراسيا كاملا في دمشق، حيث أخره المرض عن اللحاق بالامتحانات الجامعية للسنة الأخيرة، وهو ما يعني إعادة السنة الدراسية حسب نظام السنوات الذي يدرس في الجامعات السورية.

كما يشير في السياق ذاته لتعرضه للمرض وهو طفل صغير، في الصف الثاني الابتدائي، وإعادته لنفس الصف، بعد إصابته بذات الرئة استمر لنحو 6 أشهر، ما استدعى من والده رحمه الله، أن ينتقل به من جرش إلى منزل عمه في السلط، وهو الصيدلاني المعروف، وبعدها اضطر والده إلى أخذه للقدس، بحثا عن علاج المرض، الذي أصابه واستعصى على الدواء شفاءه.

وفيما يلي نص الحلقة:

*انتهينا في الحلقة الماضية عند اشتباكك مع الحياة السياسية في جامعة دمشق، ألم تخش على نفسك وقتها من النشاط السياسي خلال فترة صعبة، كان فيها الاعتقال بدمشق أمرا سهلا، وقد يذهب بك الأمر لتضحي بمستقبلك العلمي، خصوصا وأنك كنت طالبا أردنيا، والنشاط السياسي قد يذهب بك إلى السجن لتدخلك في شؤون لا تخصك كطالب أردني تدرس في سورية؟

-لقد نصحني طلاب أردنيون بعدم المشاركة في النشاطات السياسية، وحذروني من إمكانية فصلي من الجامعة، وطردي من سورية في أحسن الأحوال، هذا إذا ما لم يتم سجني وإصدار حكم بحقي.

هؤلاء الطلبة أنفسهم عندما عدت من الكرك إلى دمشق، وجدتهم مسجونين، إثر مشاركتهم في احدى المظاهرات، التي نظمها حزب البعث السوري، ولك أن تتخيل هؤلاء هم من نصحوني، وهم من سبقوني إلى السجن!، وهذا كان أمرا طبيعيا؛ فقد كانت الأجواء السياسية في تلك الأيام تجبرك على التحرك عاطفيا وسياسيا، كما تجبرك على الانحياز لطرف سياسي دون الآخر.

بعد أن علمت بأمر اعتقالهم، اقترحت أن نشكل وفدا طلابيا ونقوم بزيارة مدير الشرطة ونضعه بصورة الأمر، وأن هؤلاء الطلبة مهددون بمستقبلهم الجامعي، إذا ما استمر حبسهم، فمنهم طلبة من كلية الطب، وفي آخر سنة، من دراستهم، وقد طال أمد حبسهم لأكثر من 22 يوما.

حينها كان مدير الشرطة في زمن الشيشكلي معروفا بغلظته الشديدة وقسوته، وهو رجل عسكري شديد، يحمل رتبة عقيد، وأذكر أنه من دار الحسيني.

فعلا، شكلنا وفدا من 15 طالبا، وذهبنا لمكتب العقيد الحسيني، وكنت من بدأ الحديث إليه، وشرحت له بأن هؤلاء طلبة، ويجب التعامل معهم بحدود عمرهم الدراسي المصيري، وتمنيت عليه أن يتم التعامل معهم ضمن حدود مسؤوليتهم كطلبة مشاركين في مظاهرة سياسية، وليس أبعد، وأنهم قد يكونون أخطأوا في حماسهم الشبابي، لكن يجب الرأفة بوضعهم الدراسي.

بعد ذلك داهمني بسؤال، واستغربت جدا من رده! فقال: هل تلعبون كرة القدم؟ فأجبته: كنا نلعبها.

فقال: شكلوا فريقا لتلعبوا مع فريق الشرطة، ومن يغلب يأخذ ما يريده.

فرفضت وقلت له: إذا غلبنا فريق الشرطة، فمن المؤكد بأنك ستضعنا مع زملائنا في السجن، وإن فزتم علينا فلن تقبلوا طلبنا بخروج زملائنا من السجن، وفي كلتا الحالتين فنحن سنخسر.

وإذا أردت أن نلعب المباراة؛ فسأقبل على أساس شرط وحيد، وهو إذا فزتم علينا أخرجوهم من السجن، وإذ بمدير الشرطة يضحك، وعندها شعرت بالفرج، ذهب العقيد الحسيني في حالة من التفكير، ثم اتبع ذلك بالقول: تعالوا غدا صباحا وخذوهم معكم.

وفعلا ذهبنا في اليوم التالي، وخرجوا من السجن، ومن شدة ما تعرضوا له من "البهدلة" كدنا لا نعرفهم، فقد تم ايقافهم بالسجن لمدة زادت على 25 يوما، والمهم كانت العبرة من اخراجهم أن نكون أكثر حذرا من خلال مشاركاتنا السياسية في الجامعة.

*وأين استقر بكم الموقف السياسي، عند أي حزب وعند أي موقف، ثم ألا تعتقد بأن أزمة الحكم في سورية، أبعدتكم واشغلتكم عن تداعيات ما بعد النكبة؟

-لم نكن بعيدين عن أزمة النكبة وتفاعلاتها، فقد كانت أحداث النكبة هي ما تشحن عواطفنا ومشاعرنا وتدفعنا للاصطفاف السياسي مع الحزب الأكثر تعبيرا عن مدى نكبتنا، وكنا نلجأ للنشاط الحزبي في دمشق، لنعبر عن موقفنا من هذا العدو، الذي يتربص بنا جميعا، وليس بالفلسطينيين وحسب، لكن نشاطنا السياسي في ذلك الوقت ركز على مناهضة الحكم العسكري في سورية وليس على أي شيء آخر.

بعد سقوط أديب الشيشكلي بسبب المظاهرات، التي انطلقت من جامعة دمشق، ونالت مدا شعبيا هائلا، وعلى أثرها؛ وبالزخم الذي نُفذت به المظاهرات، تحرك الجيش من حلب.

وقد أطيح بالشيشكلي بعد أن اندلعت مظاهرة من قلب جامعة دمشق، وشاركت فيها بفاعلية ونشاط، وخلالها دخلت الشرطة العسكرية الجامعة لفض المظاهرة بالقوة، وكان رئيس الجامعة في ذلك الوقت هو مؤسس حركة القوميين العرب قسطنطين زريق،  وبعد أن دخلت الشرطة العسكرية، بدأ إطلاق الرصاص بصورة عشوائية، وكان إطلاقا غزيرا للنار، وهناك وقعت إصابات واستشهد طلبة.

في ذلك الوقت وبعد سقوط جرحى من الطلبة، هربت إلى نادي الجامعة، الذي كان يجلس فيه عادة الطلبة غير المشاركين بالمظاهرات.

بعد أن دخلت النادي، دخلت فورا إلى الحمام واغتسلت جيدا، وأخفيت كل مظاهر المعركة البادية على وجهي وعلى ملابسي، فقد كانت الشرطة بدأت فعلا بالسيطرة على المظاهرة، وبدأ إخراج الطلبة من الجامعة على شكل "طابور"، ومن كان يقع تحت شبهة الشك بالمشاركة في المظاهرة كان يُعتقل.

كنا نمر في "الطابور" بين صفين من العسكر، ومن كان يشتبه بمشاركته في المظاهرة كان يُلقن درسا قاسيا قبل حجزه، بالنسبة لي كنت حافظا لأشكال الأشخاص الذين ضربتهم بالحجارة، فمنهم عسكريون بلباس مدني، واحد منهم ضربته بحجر، وبدأ دمه يسيل بغزارة على الأرض، ولدى مروري من الصف بين العسكر، رأيت ذات الرجل الذي ضربته، معصوب الرأس، وشعرت بأن أمري سينكشف لا محالة.

بالصدفة انتبهت لأحد الطلبة، يفصلني عنه عدد قليل من الزملاء، وكان يرتدي بدلة نفس لون بدلتي (بني)، وهو تقريبا من نفس حجمي، وهناك شبه بيني وبينه، انتبهت على نفسي وإذ بشال اضعه حول رقبتي، اعتقدت بأنه سيميزني، فخلعته فورا.

وما هي إلا ثوان قليلة، وإذ بالرجل العسكري، الذي يرتدي زيا مدنيا، ينادي بأن هذا الطالب الذي ضربه، فقلت في سري: انكشف أمري!!، وإذ بطالب آخر هو من القوا القبض عليه، وقد طرحوه أرضا، وبدأوا بضربه بطريقة وحشية، وهو طالب سوري من بيت الاتاسي، عندها أكملت مسيرتي، من دون أن التفت لكي لا ينكشف أمري، وبظني بأن الزميل ولكونه سوريا قد يجد من يؤازره، خصوصا وأنه من بيت الاتاسي، وهي عائلة عريقة ومعروفة على مستوى دمشق والشام.

لقد كانت تلك المظاهرة مرعبة، وقد قتل فيها اربعة طلبة، وجرح المئات، وتعطلت الجامعة 10 أيام، وكان حدثا كبيرا في سورية وأشغل أهلها كثيرا.

ولكي تقتنع بأن هدفنا كان في حينها إسقاط الحكم العسكري فقط، وليس أي شيء آخر، فقد علمت بعد أن انتهت تلك المظاهرة الفاصلة بعمر حكم رئاسة الشيشكلي لسورية من جامعة دمشق، بأن من نفذها اليساريون، وأننا كلنا انخرطنا في المظاهرة بنشاط وفاعلية تحت شعار اسقاط الحكم العسكري، بصرف النظر عن الجهة التي نظمتها.

*الغريب انك تتحدث عن نشاطك السياسي في دمشق، وكأنك مواطن سوري، وليس طالبا غريبا قادما من الأردن؟

-لقد اندمجت بالمجتمع السوري، وكان مجتمعا حيويا بالمقارنة مع البيئات التي عشت فيها كل عمري في جرش والكرك، وكان للأجواء الحيوية هناك ما ألهب مشاعر شاب يافع يبحث عن كل ما هو جديد وكل ما هو مختلف، ولي في تلك المرحلة محطات كنت استطيع أن اتوقف عندها بدهشة، لكني اقتحمتها وحاولت أن أبحث عن نفسي من خلالها.

ولك أن تتخيل أن مختار الحارة التي عشت فيها، أعطاني بطاقة انتخابية، ظنا منه بأني مواطن سوري يعيش في حارته؛ وفعلا ذهبت وانتخبت سعيد الغزي ومحمد المبارك، لأني اندمجت فعلا بالمجتمع السوري، وصرت "أحكي شامي مثلهم".

في احدى المرات، دخلت لامتحان شفوي، لأحد المساقات الدراسية الجامعية، وهو مساق القانون الدستوري، واكتشف الاستاذ بأني غير سوري، عندما اخطأت بكلمة واحدة فقط، وهي لما استخدمت كلمة الحكومة، بدلا من الدولة، في شرحي لأحد البنود الدستورية، فقد كان لهذا التداخل ما يُسمح به عندنا في الأردن، لكن في سورية الدولة شيء، والحكومة شيء آخر، فأجابني هل هي حكومة أم دولة؟ فقلت دولة، فرد علي بأن هذه الحكومة (عرصه).

بعدها سألني إن كنت سوريا أم لا، فأجبته بأني أردني، فرحب بي بحرارة.

*وهل استكملت نشاطك السياسي في دمشق، من منطلق اندماجك بالمجتمع السوري؟

-بالفعل لقد بدأت أتفاعل أكثر مع الأحداث في سورية، وأذكر جيدا كيف استشهد شقيق زميلي في كلية الحقوق، وهو شاب تعرفنا عليه قبل انتقاله من كلية الحقوق إلى الكلية العسكرية، وفي احد التدريبات استشهد شقيق زميلي ذلك، على الحدود السورية مع بحيرة طبريا، وعندها عادت مشاعرنا للتفاعل أكثر، وبدأنا بتنظيم أسبوع التسلح، وهو أسبوع بدأنا فيه بجمع التبرعات وإرسالها للجيش السوري لشراء السلاح لمواجهة الإسرائيليين.

لقد كنت عضوا في اللجنة المركزية في الجامعة، وكنت حزت هذا الموقع على اعتبار أني طالب سوري، ولم ينتبه أحد أو يدقق بأني أردني.

لقد عملت في هذا الاسبوع بجهد كبير، من دون كلل أو ملل، وللآن افتخر بالانجاز الذي حققته في ذلك الأسبوع، لاني كنت جزءا منه.

بدأنا كمجموعة طلابية صغيرة لم تتجاوز العشرة طلاب، وذهبنا لمقابلة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي جاء بعد أديب الشيشكلي، وإذ به بعد أن اقترحنا المشاركة بأسبوع التسلح، قام من مكتبه، وخطب فينا خطبة، فرحنا بها وزادت من حماسنا.

بعدها بدأت العمل، والطلبة الذين معي، استغربوا الطريقة التي عملت بها، فلم أهدأ على مدى فترة عمل اللجنة في جمع التبرعات.

وأذكر ان من قيم التبرعات التي جمعناها ما قدمته الشركة الخماسية، التي سميت بهذا الاسم لأن ملكيتها تعود لخمسة شركاء، وتبرعت بـ5000 ليرة سورية، كما كان البنك العربي فتح لنفسه فرعا جديدا في دمشق، وتبرع بـ50 ألف ليرة سورية، وكانت الليرة السورية بعافيتها في ذلك الوقت.

ولما عرفنا بأمر التبرع الزهيد، الذي تقدمت به الشركة الخماسية، كان معي في مكتب جامعي خصص لنا؛ اثنان من الزملاء، وكانا أصغر مني بصف جامعي، وإذ بمظاهرة تمر من أمام نافذة المكتب، وسأل أحدهما ماذا تريد هذه المظاهرة؟، فأجبته من مقعدي تريد اسقاط الشركة الخماسية، وهتف من عنده، وإذ بنحو 200 متظاهر، يرددون الهتاف، نزلنا من المكتب وقدنا المظاهرة، وسرنا فيها، وبعد دقائق، وصل أولنا لمكان اسمه تكية السلطان سليم، وكان آخر شخص في المسيرة يقف على باب الجامعة، الطلبة بحماسهم هتفوا بقسوة ضد الشركة الخماسية، على تبرعها الهزيل، لم تكن المظاهرة لتتوقف حتى وصلنا مدير الشرطة شاكرا، وقال لقد دفعت الشركة الخماسية تبرعا بقيمة 50 ألف ليرة سورية، وبالفعل استجابت الشركة لمطالب المظاهرة ولم تتأخر، خوفا من تزايد شعارات المظاهرات ضدها.

لقد كنا نخلق الأحداث، ولم نكن نقصر بحق شيء، كنا طلبة جادين، وكنا ناشطين سياسيين جادين أيضا، وغرفنا من التجربة والخبرة تلك؛ صفات صقلت شخصياتنا.

ونحن نجمع التبرعات، لم تكن هناك أجهزة إعلام، تساندنا سوى الإذاعة السورية، وهي وسيلة الإعلام الوحيدة والمتاحة، وكنا نريد أن نعبئ الجماهير لكي نزيد قيمة التبرعات، وندعم الجيش بثمن السلاح فعلا.

كانت أهم الساحات في دمشق ساحة المرجة، وخططنا لإقامة مهرجان شعبي فيها، واستأذنا استاذنا الجامعي الدكتور مصطفى البارودي، الذي كان خطيبا مفوها، وهو من الخطباء الذين لم اسمع بحياتي لأحد بذات أسلوبه في الخطابة وقدرته وبلاغته، فهو نهر متدفق من الجمل التي تهيج المشاعر والعواطف، فطلبنا منه أن يخطب في المهرجان الشعبي تحت عنوان جمع التبرعات، وجئنا بالإذاعة السورية، وبدأ البارودي بالخطبة ولم ينته بعد؛ وإذ بساحة المرجة لا يوجد فيها شبر فارغ، وكانت الناس ملأت الشوارع، كنا في غرفة مغلقة للإذاعة، مطلة على الساحة، وكانت خطبة البارودي تنقل عبر الأثير، رأيت من بعيد رجلا كبيرا بالسن يحمل كيسا، ناديت أن ينتبه إليه أحد، خشية عليه من الزحام فيسقط أرضا، لم يفهم علي أحد، فركضت بسرعة نحوه، وسألني أين يجمعون المال، فقلت أنا عضو في اللجنة، فترك معي كيسا من النقود، وقال إن هذا المبلغ هو كل ما يملكه، وتركني من دون أن يأخذ وصلا له، وقيمة التبرع، وعندما فتحنا الكيس لنحصي عدد التبرعات التي جمعناها، وإذ بالمال الذي تركه الرجل، يبلغ 600 ليرة ذهب، تركها الرجل وغادر من دون حتى أن نعرف اسمه.

بقيت التبرعات معي، وكنت أمشي بالشوارع حاملا كيسا كبيرا من الورق، كنت أضع فيه كل التبرعات، التي أجمعها بجهد فردي، وهذه التبرعات لم تكن بجهدي الشخصي، بمقدار ما كان لحادثة استشهاد زميلنا من الكلية العسكرية في طبريا، ما ألهب مشاعر الناس.

كنت أمشي حتى منتصف الليل، وانا أجمع التبرعات، في ليلة من الليالي وصلت لمنزل ابن خالتي، فلما شاهد ما أحمله، قال ما هذا؟ قلت أموال التبرعات، فاستغرب: ألا تخاف أن تُسرق منك هذه الأموال؟، فقلت من يجرؤ على سرقة أموال الجيش!.

لقد جمعت تبرعات من المنازل، وكنت أندهش كيف أن النساء عندما يسمعن عن لجان جمع التبرعات، كن يخلعن أساورهن ويضعنها بالصندوق، حتى أن بعض النساء اللاتي كن يجدن صعوبة، في خلع اساورهن، يلجأن لقطع اساورهن ويضعنها في الأكياس.

*ومتى أنهيت دراستك الجامعية، وهل من أسباب تأخرك بالدراسة عاما كاملا هو نشاطك السياسي؟

-لا؛ لقد أنهيت دراستي في الجامعة العام 1956، فقد تأخرت عاما دراسيا كاملا، بسبب المرض، الذي أخرني عن اللحاق بالامتحانات الجامعية للسنة الأخيرة، وكما تعلم فقد كان النظام التعليمي للجامعات في دمشق هو نظام السنوات، وليس الفصول.

لقد مرضت مرتين في حياتي، وكادتا أن توديا بها، مرضت وأنا طفل صغير، في الصف الثاني الابتدائي، وكان مرضا قاسيا، وحملني والدي رحمه الله من جرش إلى منزل عمي في السلط، وهو كان صيدلانيا معروفا، وبعدها اضطر والدي إلى أخذي للقدس، بحثا عن علاج المرض، الذي أصابني واستعصى على الدواء شفاءه، حيث مكثت مريضا لـ6 أشهر بمرض يسمى بذات الرئة، وهو مرض أخرني عن دراسة الصف الثاني فأعدته.

أما وأنا طالب جامعي، في السنة الأخيرة، وعند موعد الامتحانات، بدأ بطني يؤلمني بشدة، وشعرت بمغص يأكل أحشائي، ومباشرة حملني أصدقاء لي لمنزل طبيب يسكن بالقرب من سكننا، وشخص حالتي الطبية على أنها مرض الزائدة الدودية، وقال بأنه يجب إجراء العملية واستئصالها، وطلب مني مراجعته في المستشفى صباح اليوم التالي، لاتخاذ الاجراءات اللازمة.

عدت إلى المنزل مع ابن خالتي، ولكن حالتي زادت سوءا فذهب ابن خالتي فجاء بطبيب أستاذ يُدرس في كلية الطب في جامعة دمشق، ولدى فحصه لي في المنزل قال: فورا يدخل المستشفى، لإجراء العملية قبل أن تنفجر الزائدة الدودية.

حاولت أن أجادله وأخفف من سرعة طلبه في إجراء العملية، لكنه قال بحدة: اسمع أنا أستاذ وطبيب في كلية الطب، وأنت طالب وعليك الاستماع لي وليس مجادلتي.

مباشرة أخذوني للمستشفى ودخلت غرفة العمليات، وقد وصفت العملية بأنها عملية خطيرة، فقد كانت الزائدة الدودية قبل أن تنفجر قد تسببت في التهابات شديدة في جسمي، وبعد العملية دخلت في مرحلة علاج طويلة بسبب الالتهابات، وأعطيت عددا وفيرا من إبر المضادات الحيوية، ما زلت أشعر بمكانها حتى اليوم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل الاحترام (رائد حميدات)

    الأربعاء 11 شباط / فبراير 2015.
    كل الاحترام والتقدير