اليمن: عندما لا يكون الانقلاب انقلاباً

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً
  • مسلحون من الحوثيين في اليمن -(أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ديفيد فرانسيس - (فورين بوليسي) 21/1/2015

يتحدث قانون المساعدات الأجنبية الأميركي بوضوح تام فيما يتعلق بما يجب على الحكومة فعله في حال وقوع انقلاب. وتنص الفقرة 508 من القانون على أنه يجب على الولايات المتحدة قطع المساعدات عن أي بلد "تتم الإطاحة برئيس حكومته المنتخب حسب الأصول، بواسطة انقلاب عسكري أو مرسوم".
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة ملزمة قانونياً بقطع مبلغ المساعدات البالغ 232 مليون دولار، المقرر أن ترسله في وقت لاحق من هذا العام إلى اليمن، أليس هذا صحيحاً؟ إن ما يحدث هناك يبدو بالتأكيد وأنه إطاحة قهرية بحكومة شرعية: فقد عمد مسلحون إلى اجتياح القصر الرئاسي لعبد ربه منصور هادي يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي. وبعد يوم من ذلك، أي يوم الأربعاء، وافق هادي على منح المزيد من الصلاحيات للثوار. ومن جهته، وصف مجلس التعاون الخليجي، التحالف المكون من دول شرق أوسطية، ما حدث يوم الثلاثاء بأنه استيلاء على الحكومة. وقالت وزيرة الإعلام اليمنية، ناديا السقاف، لمحطة (سي. إن. إن) الأميركية، إن ما حدث "كان استكمالاً لانقلاب". وفي وقت متأخر من يوم الأربعاء، تم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، والذي يقال إنه جرد هادي من الكثير من صلاحياته، بينما منح الحوثيين دوراً أكبر في الحكومة.
ومع ذلك، فإن الوزيرة السقاف مخطئة فيما ذهبت إليه، بموجب القانون الأميركي.
إن الأمر المختلف الرئيسي، إذا قلنا ذلك بصراحة، يجب أن يتعلق بما إذا كان الناس الذين نفذوا عملية الإطاحة بالحكم يشكلون جزءاً من جيش نظامي أو أنهم مجرد مجموعة من المقاتلين الذين لا يتبعون دولة. ووفق خبراء قانونيين، فإن لدى كل من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية مساحة استثنائية للمناورة فيما يفعلانه يعتبرانه أو لا يعتبرانه "انقلاباً" رسمياً، بالإضافة إلى تقرير إذا ما كانا سيقطعان المساعدة وكيف يفعلان ذلك بعد إذا اعتبرا العمل المعني انقلاباً بصفة رسمية. ويمكن للكونغرس أن يبدي عدم الموافقة، لكنه ليس هناك الكثير مما يستطيع المشرعون فعله في الرد.
حتى لو استمر تدفق الأموال الأميركية، فإن اتفاقية هشة لاقتسام السلطة يتم التوصل إليها بين هادي والحوثيين ستجعل من الصعوبة بمكان معرفة كيفية استخدام تلك الأموال، ومن هي الجهة التي ستنفقها. ووفق تقارير، فإن من المقرر أن يكسب الحوثيون جزءاً ضخماً من السلطة في اليمن، بينما سيخسر هادي جزءاً كبيراً منها. (جاء لاحقاً أن هادي استقال من منصب رئيس الجمهورية لكن البرلمان اليمني رفض استقالته). وتجدر الإشارة إلى أن ثمة أحكاماً متعددة في القانون الفيدرالي الأميركي تحظر تقديم المساعدة إلى البلدان التي تدعم الإرهاب، ويستطيع البيت الأبيض أن يقطع صنبور المساعدات إذا قرر أن الحوثيين يسيطرون على الكثير من السلطة، إلى درجة تكون معها الحكومة الجديدة منخرطة في تقديم مساعدة فعلية في تمويل أو تنفيذ هجمات إرهابية.
في اللحظة الراهنة، مع ذلك، تتعامل وزارة الخارجية الأميركي بالكثير من الحذر في إجراءاتها. وخلال إيجاز صحفي بعد ظهر يوم الأربعاء الماضي، سئلت الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأميركية، جين بساكي، مراراً عن الفوضى العارمة المتواصلة في اليمن، حيث حل حراس من الحوثيين محل حرس الحكومة خارج منزل الرئيس. لكنها رفضت بإصرار استخدام كلمة انقلاب لوصف الإطاحة الواضحة بالرئيس هادي. وقالت بساكي: "إننا لا نطلق الكلمات على عواهنها فقط لنجعلكم تشعرون بشكل أفضل".
وفقاً لما يقدره روبرت م. تشيزني، الأستاذ والعميد المشارك في الشؤون الأكاديمية في كلية القانون في جامعة تكساس، فقد كان بإمكان بساكي التعويل على قراءة صارمة لقانون المساعدة الأجنبية. وتسمح لغة القانون بالمراوغة في تحديد تعريف الانقلاب، لأن الحوثيين يتكونون من تحالف قبلي ولا يشكلون جيش دولة منظم.
وقال تشيزني: "إنني على ثقة تامة بأن الهدف من وراء ذلك التشريع هو الوصول إلى انقلاب الجيش الرسمي ضد حكومته الخاصة. ولم يكن المقصود من التشريع أن يشمل مجموعات مثل تلك الموجودة في اليمن".
وأضاف تشيزني أن هذا التفسير يسري أيضاً على المجموعات الثورية التي تطيح بحكومات. وإليكم هذا الوضع الافتراضي: فلنقل إن الجيش الجمهوري الإيرلندي استطاع الإطاحة بالحكومة الإيرلندية. في هذه الحالة، لا يتطلب القانون الأميركي من الولايات المتحدة وصف استيلاء الجيش الإيرلندي على الحكم بأنه انقلاب، لأن الجيش الجمهوري الإيرلندي هو مجموعة ثورية، وليس جيشاً رسمياً.
تتمتع الولايات المتحدة بنطاق حرية ومرونة كبير جداً، حتى في حالات تحرك قادة القوات المسلحة في دو لة ما نحو الانقضاض على حكومة قائمة. والمثال الذي يستشهد به في أغلب الأحيان هو ما حدث مصر في العام 2011، عندما أزاح الجيش المصري الرئيس محمد مرسي عن الرئاسة. وفي ذلك الوقت، تجنب البيت الأبيض، كما تجنبت وزارة الخارجية الأميركية، وصف ذلك التحرك بأنه انقلاب بسبب ما دعاه نوح فيلدمان، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، "نظرية النعامة".
كان فيلدمان قد كتب في ذلك الوقت: "يقول القانون إنه لا مساعدات إذا كان هناك انقلاب، ولكنه لا يأمر الإدارة صراحة أبداً بالتحقق مما إذا كان هناك انقلاب قد وقع. كما أنه لا يحتوي على أي منبه ينص على أنه عندما تتغير الحكومة في بلد متلق للمساعدات، فإنه سترتب على الرئيس تقرير ما إذا كان هناك انقلاب قد وقع هناك".
كما أنه من غير المسلم به أن تسمية الأمر بانقلاب رسمياً يجب أن يفضي إلى تعليق فوري للمساعدات الأميركية. وفي أيار (مايو) الماضي، وصف وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، استيلاء الجيش في تايلاند على الحكومة بأنه انقلاب. ومع ذلك، وبينما ألغيت التمارين العسكرية المشتركة، تم قطع ثلث أموال المساعدات العسكرية التي كان من المقرر إرسالها إلى هناك في الحقيقة في العام الماضي -حوالي 3.5 مليون دولار. (وحدث شيء مشابه بعد انقلاب آخر في تايلاند في العام 2006، عندما جمد الرئيس الأميركي السابق، جورج دبليو بوش، مبلغ 24 مليون دولار على شكل مساعدات عسكرية، لكنه أبقى على الأموال المخصصة لبرامج الصحة العامة من أجل التجهيز لتفشٍ محتمل لوباء انفلونزا الطيور، ولمنع مرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" من الانتشار).
ناهيك عن تمرير تشريع جديد -وتجنب التعرض لقرار نقض (فيتو) رئاسي- يفتقر الكونغرس إلى وجود طريقة رسمية لتحدي قرار الإدارة حول الانقلابات. ووفق تشيزني، فإن أقصى ما يمكن للمشرعين فعله هو عمل "زوبعة سياسية من المسألة، لكنه من غير المرجح أن تراها تتحول إلى دعوى قضائية".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: When a Coup is Not a Coup

التعليق