د.أحمد جميل عزم

عصر الاستراتيجية الفلسطينية الثالثة؟

تم نشره في الثلاثاء 10 شباط / فبراير 2015. 12:06 صباحاً

قبل أيّام، وفي ندوة عامة متلفزة في رام الله كنتُ ضمن حضورها، قال عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، د. نبيل شعث، إنّ هذه المرحلة تشير إلى دخول العمل الفلسطيني مرحلة تاريخية ثالثة جديدة، ضمن تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة. الأولى، مع انطلاقة الكفاح المسلح؛ واستمرت من العام 1965 لنحو 28 عاما، حتى توقيع اتفاقيات أوسلو. والثانية، استمرت نحو 22 عاما، منذ "أوسلو" وحتى اليوم، وقامت على التفاوض والعملية السياسية.
والدكتور شعث من القيادة التاريخية التي تلقى احتراماً كبيراً في مختلف الأوساط السياسية الفلسطينية، ويصعب أن تختلف معه؛ لما يطرحه من خطاب متوازن، جامع للقوى الوطنية، ويتضمن بعداً استراتيجياً يجمع الأدوات النضالية، من سياسية ومقاومة أخرى في تصورات مقنعة. وفي حالة الاستراتيجية الجديدة، الحديث عن التدويل والمقاومة الشعبية والوحدة الوطنية. ولكن المشكلة التي قد تواجه المستمع (وهو ما عبّرت عنه في الندوة)، أنّ د. شعث ربما يتحدث عمّا يجب أن يكون، وما يحاول هو وآخرون أن يكون، فيما هناك أصوات واتجاهات وعوامل وقوى أخرى تدفع باتجاهات مختلفة، أو اتجاهات سكونيّة تعيق الفعل لسبب أو آخر.
الآن، تم تعيين لجنة وطنية عليا مسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية، تضم عددا كبيرا من الفعاليات والقوى الوطنية الفلسطينية. وهذه اللجنة ربما تكون قد أُوجدت لأسباب مختلفة ومتعددة، تشمل عدا متابعة هذا الملف بشمولية، أن يتحمل الجميع تبعات الذهاب للمحكمة. ومن هنا، يوجد أشخاص من حركة "حماس" ومن اليسار الفلسطيني، ومن المجتمع المدني، بما في ذلك الشرائح المشتغلة بالقانون الدولي. وبحسب طرح الرئاسة الفلسطينية، فإنّ التبعات التي قد تنشأ عن الانضمام للمحكمة الدولية ربما تتضمن ملاحقة فلسطينيين. وبالتالي، لا يريد الرئيس محمود عباس أن تحمّله فصائل فلسطينية مسؤولية متابعة أو مساءلة أعضاء فيها، فأصّر على توقيعهم على قرار الذهاب للمحكمة، والآن يدخلهم في عملية إدارة الملف.
بغض النظر عن دوافع اختيار هذه الأسماء، فإنّها خطوة مهمة جداً، لو قيّض لها أن تنجح؛ من حيث أن تكون هناك إدارة جماعية للملف. فقد تشكل سابقة مهمة، يمكن تكرارها في إدارة ملفات مختلفة، خصوصاً أنّه لا يمكن الفصل بين هذا الملف (المحكمة) وملفات التفاوض وغيرها من الملفات المختلفة. ومن ثم، هي تجربة لإدارة جماعية لواحد من ملفات الصراع.
بطبيعة الحال، من غير المستبعد أن يثير تعيين اللجنة ضجة كبرى، خصوصاً عند الإسرائيليين الذين سيتحدثون عن مندوبين لحركة "حماس" وغيرهم في اللجنة التي تتابع أمر محاكمة إسرائيل. ولعل من اللافت، وذي الدلالة، طريقة تغطية صحيفة مثل "تايمز أوف إسرائيل" لخبر اللجنة. إذا قالت إنّه تم تعيين كبير المفاوضين الفلسطينيين السابق صائب عريقات، لإدارة اللجنة. والخطاب الإسرائيلي يتمثل في أنّ الذهاب للمحكمة هو هروب من المفاوضات. وهي قضية سيتم التركيز عليها إسرائيليا، ولكن هذا لا يجب أن يلغي المضي في هذا الدرب.
إذا قيّض لهذه الخطوة أن تنجح وتبلغ مداها، ولم يتعثر ويتجمد إطار العمل هذا، فإنّه يمكن الحديث فعلا عن استراتيجية ثالثة جديدة، تعمم. ويكون من مكوناتها، ثلاثة عناصر رئيسة، هي: التدويل، والمقاومة الشعبية، والوحدة الوطنية. وعدا وجود الفصائل في التشكيل، فإنّ وجود أشخاص مثل حنان عشراوي ومصطفى البرغوثي وغيرهما من أصحاب القدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي، ووجود حقوقيين متخصصين من المجتمع المدني، مثل شعوان جبارين وممدوح العكر، سيكون إضافة نوعية وفاتحة لإضافة الكفاءات والطاقات في إدارة ملفات العمل اليومي للصراع. وإذا كانت هناك لجنة وطنية لإدارة شؤون المحكمة الجنائية الدولية، فما الذي يمنع من تأسيس لجان ومرجعيات لملفات أخرى، منها تفعيل عمل منظمة التحرير الفلسطينية.
إنّ تفعيل أطر من هذا النوع يمكن أن يصل إلى تكوين قيادات موسعة أو غير ذلك، لإدارة ملفات الصراع، بما يتضمن حقا استراتيجية جديدة تمزج المقاومة والسياسة بشكل فاعل.

التعليق