د.أحمد جميل عزم

ضرب الإرهاب بالسلفية؟

تم نشره في الخميس 12 شباط / فبراير 2015. 12:04 صباحاً

إذا ما أراد أحد أن يكتب تاريخ العلاقات الدولية في القرن العشرين، فسيجد ظاهرتين: الأولى، حروب الأيديولوجيا. والثانية، أنّ هذه الحروب صراعات تتم إدارتها ولا يتم حلها. ومع بعض التعمق، سيكتشف أنّها ليست حروب أيديولوجيا.
ربما كانت النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، ما بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، نوعا من المزج بين القومية والعرقية من جهة، والأيديولوجيا من جهة ثانية، قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين؛ اشتراكي ورأسمالي، في سابقة تاريخية لانقسام على أساس الأيديولوجيا، مع مكوّن أقل للدين والقومية، وهما العاملان اللذان كوّنا تاريخيّاً أساساً للصراعات. ولكن المعسكرين استخدما القومية والدين في حروبهما.
رغم أنّ الولايات المتحدة الأميركية زعمت أنّها قائدة العالم الحر، إلا أنها تصرفت إمبراطوريا بالحديث عن "القرن الأميركي"، وهو مصطلح طوره ناشر مجلة "التايم" وغيرها من مجلات أميركية شهيرة هنري لوس، والذي صاغت مجلاته جزءا من الفكر الأميركي والعالمي، وكان ابناً لمبشر مسيحي؛ فولد هو في الصين، ومزج بين الشعور بالتفوق الأميركي، وأفكار تجمع الرأسمالية بدور للدولة، وتحديداً المدرسة الكينزية في الاقتصاد. ثم جاء في مطلع القرن الراهن تشارلز كروثامر، وهو أيضاً صحفي تنشر مقالاته (ويعاد نشرها) في مئات الصحف حول العالم، واخترع مصطلح "اللحظة الأميركية"، والتي تعني عمليا كيف يصبح القرن الواحد والعشرون أيضاً قرناً أميركياً. لكن كروثامر من مدرسة لا تؤمن بالكينزية، بل بالليبرالية الجديدة التي تطلق العنان للاقتصاد بعيداً عن الدولة، من دون ان يمنعه هذا من الحديث عن التفوق الأميركي. كما اشتهر كروثامر بكتاباته المنتقدة جداً للإسلام والمسلمين وإرهابهم.  
أمّا السوفييت الذين تبنوا الشيوعية، ولم ينتظروها لتتطور ضمن السياق التاريخي بل أرادوا فرضها فرضاً بأحزابهم ودعم حلفائهم، فاستسلموا واستخدموا القومية. فقد كان قائد الثورة فلاديمير لينين (1870-1924) في حيرة من أمره؛ فهو يرفض القومية ويريد للعالم أن يستمر على أساس حرب حركة العمال العالمية ضد الرأسماليين، ليجد أنّ كثيرا من حركات التحرر الوطني تمزج القومية والوطنية بالاشتراكية. وفي النهاية، خصوصاً بعد موته، أصبحت الموالاة للشيوعية هي الأهم لدى قادة السوفييت، حتى وإن جاءت ضمن حركات قومية ترفض وحدة العالم. وعمليا، نكص الشيوعيون في أغلب العالم عن الإيمان بالبروليتاريا العالمية، وأصبحوا يتحدثون عن "الشمال" الرأسمالي الاستعماري والجنوب "المستعمر"، واعتبروا أنّ طبقة العمال والاشتراكيين في الغرب (الشمال) تمت رشوتها من برجوازيي بلادهم الاستعماريين.
وظف الأميركيون، ومن تحالف معهم من دول عربية، الدين والقبلية والعشائرية في صراعاتهم ضد الشيوعية؛ وأبرز الأمثلة تحالف الدول العربية المحافظة مع الإخوان المسلمين ضد الاشتراكية والناصرية، واستخدام الأميركيين والأنظمة الحليفة للخطاب الإسلامي لحشد الشباب ونقلهم لقتال السوفييت في أفغانستان وغيرها.
وبمجرد انتهاء حرب الشيوعية، تُرك إسلاميو أفغانستان وباكستان من دون تدبر لما يمكن أن ينشأ عن وجودهم وقوتهم.
لم يتوقف الأميركيون عند تشخيص حقيقة الضربة التي تلقوها في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وبدل معالجة الظاهرة التي أوجدوها هم في أفغانستان وارتدّت عليهم، ظلوا يفكرون بالعقلية الامبراطورية ومنطق "اللحظة الأميركية"؛ فذهبوا وغزوا دولة هي العراق. ولما ارتد حلفاء الأمس (المجاهدون) عليهم، تحالفوا من ضمن ما تحالفوا مع القبائل والقبلية السُنّية، إضافة إلى حلفائهم منذ بداية الهجوم على العراق، ممثلين بالقوى الطائفية الشيعية. وهكذا انتقلوا من محاربة الشيوعية بالمجاهدين، إلى محاربة المجاهدين بالقبلية والطائفية، وهو أمر اشتركت في تنفيذه دول عربية.
الآن، فإنّ من يدعو إلى التحالف مع تيارات أصولية سلفية مختلفة، ويستفز الشعور القبلي، ضد تنظيم "داعش" في سورية والعراق، فإنّه يقوم بمحاولة للبقاء بالتخلص من عدو ما، باستخدام من كان أو سيصبح عدوا قريباً، في استمرار لعقلية كسب الحروب الصغيرة، والسعي للبقاء، وكذلك من دون اهتمام بتحديث حقيقي.
والسبب في كل هذا أنّه بدءا من الأميركيين وحتى الأنظمة العربية ومن يتحالف معها من نخب، تفكر بعقلية رجل السلطة والسياسة (أو بحسابات قصيرة حتى لو بحسن نية)، وأولويتها المنصب والمكانة والقيادة، وتريد كسب المعارك الصغيرة الآنية من دون تفكير حقيقي بتطور سياسي أو إنساني تاريخي؛ ومن دون اهتمام حقيقي بتحديث أو تطوير للمجتمع والمواطنة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال موفق (سمر خطاب)

    الجمعة 13 شباط / فبراير 2015.
    من أفضل المقالات التي قرأتها على الإطلاق منذ بدأت الحرب على الإرهاب، نحن نهرب من سيء إلى أسوأ ونغرق دون وعي في تيار التطرف
    شكرا لك