د.باسم الطويسي

الإرهابي السعيد والدولة الافتراضية

تم نشره في الأحد 15 شباط / فبراير 2015. 12:06 صباحاً

على مدى الأشهر الماضية، تساءل الكثيرون ما الذي يدفع هؤلاء الشباب من مسلمي المجتمعات الغربية إلى أن  يهجروا أوطانهم ويتركوا مجتمعات العيش الرغيد، ويلتحقوا بالتنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم "داعش" ليقتلوا ويقتلوا، رغم أن معظم الفرضيات التفسيرية المطروحة ما تزال عاجزة عن تقديم اجابات كافية وشافية، إلا أن الأحداث أحيانا تفسرالأحداث؛ فما حدث لطلبة المدينة الجامعية في ولاية شمال كارولاينا الأسبوع الماضي لا يبعد كثيرا عن تفسير الظاهرة السابقة.
منذ وقت مبكر من القرن العشرين تحدث علماء الانثربولوجيا عن فكرة "الهمجي السعيد" التي تتناول المجتمعات الشعبية الأولية في المجتمعات الأصلية؛ تلك المجتمعات التي توصف بالتماسك الاجتماعي والغنى العاطفي وازدهار الثقة العامة بين أفرادها مقابل فقرها الكبير حيال الآخرين. إلى جانب التكافل والقرب الاجتماعي ورفضهم للغرباء مقابل تواضع الإنتاج وفقره وسوء إدارة الموارد في أغلب الاحيان، في الجهة الأخرى قامت نظرية التحديث الغربية على فكرة التنوع باعتباره الأساس المتين للغنى الحضاري المبدع، وأساس بناء مجتمعات ديمقراطية تدشن دولا لكل مواطنيها.
 هنا، نحن بحاجة الى مراجعة  فكرة التنوع التي طالما رفعت المجتمعات الغربية قيمتها وجعلتها القاعدة المؤسسة لهذه المجتمعات. فهل باتت تتحول هذه الفكرة المركزية لأسطورة على الأرض، في الوقت الذي نكتشف أننا أمام تشكل مفهوم جديد "الإرهابي السعيد"، أي المهمش أو بالأحرى غير المندمج الذي يعاني من قهر التمييز وضعف الحضور والشعورالمضطرب بأزمة الانتماء نحو  المجتمعات التي يعيش فيها، حيث تشظي الهوية وتنازعها الذي يجعله يبحث عن وطن جديد وعن خلاص جديد وعن مفهوم آخر للسعادة يجده بالدولة الافتراضية الحلم الذي اخترعته تنظيمات مثل "داعش"، ما يمنحه الشعور بالقوة والسيطرة على مصيره، ويداعب خياله وقبل كل شيء يخرجه من حالة الهوس الاكتئابي المزمن.
تتحدث التقارير الاستراتيجية الغربية عن وجود نحو 12 ألف مقاتل غربي في صفوف تنظيم "داعش" معظمهم دخلوا عن طريق تركيا، وهناك نحو ألف مقاتل جديد يدخلون سورية والعراق كل شهر، حيث يوجد في التنظيم عناصر من 81 دولة، وهو عدد يتجاوز الأجانب الذين قاتلوا في أفغانستان على طول سنوات الصراع في افغانستان، هؤلاء يبحثون عن الدولة الحلم التي يجدونها في الدولة الافتراضية.
إن فكرة إطالة أمد الحرب على الإرهاب تعد أخطر فكرة تخدم نموذج الدولة الافتراضية، وتجعل هذه الحرب أخطر من الإرهاب الذي أسس لها؛ لأن الحرب الطويلة الموعودة هي مفرخة حقيقية للإرهابيين. فالمزيد من القتل والدمار والفقدان، سوف يراكم تحولات اجتماعية خطيرة، تخلق مجتمعات أكثر نزوعا لإنتاج المزيد من المتطرفين، ومجتمعات تستنزف وتصبح أكثر قدرة على إنتاج الباحثين عن مصير آخر من خلال وهم السيطرة على المصير بالقوة والعنف.
في مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي تصاب الجماعات باختلالات تجعل الأوهام والخرافة جزءا أساسيا من نظام إنتاج السعادة، فلطالما كانت الأوهام هي سر السعادة، وكل من يحاول التشكيك في هذه الأوهام او كشف زيفها سوف يعاقب ويقاتل. يرى المفكر الانجليزي فرانسيس بيكون ان المجتمعات تقع  في مراحل تطورها، ونتيجة تلك الاختلالات في عدد من الأوهام؛ أهمها "اوهام الكهف" تلك التي تجعل الفرد ينظر إلى العالم من كهفه الخاص أو زاويته الخاصّة التي شكلتها تنشئته الاجتماعية وتربيته وثقافته، ثم "أوهام المسرح" أي الأخطاء المعرفية من معتقدات راسخة ومبادئ مغلوطة شكلت مع الزمن قناعات راسخة أقامت الجماعة عليها البراهين ما جعلها غرسا اجتماعيا يصعب اقتلاعها ولها سلطة وقوة رغم أنها محض وهم اجتماعي. 
هل حان الوقت أن نقرأ الحالة الدينية – السياسية وما ولدته من إمارات ودول افتراضية قراءة اجتماعية علمية في سياق التطور الاجتماعي للمنطقة بعيدا عن أوهام القراءات السياسية والدينية.

التعليق