د.أحمد جميل عزم

واشنطن والتفاهم مع "إيران الدولة"

تم نشره في الخميس 19 شباط / فبراير 2015. 01:04 صباحاً

من مفارقات العالم العربي أنّ الكل يتهم الكل بعلاقته وتفاهمه مع الولايات المتحدة الأميركية وعمالته لها، باعتبار هذه الأخيرة عدوا. وكثيرون يقلقهم، أيضاً، أن يكون هناك تفاهم مع الولايات المتحدة من قبل أعدائهم؛ أي يخشون لقاء الخصوم أو الأعداء مع الأعداء. فهناك موجة اتهام للإخوان المسلمين والثوّار بأنواعهم، بأنّهم جزءٌ من مخطط أميركي ضد الأنظمة العربية، المتّهمة بدورها بـ"العمالة" لواشنطن، وأنّهم (الإخوان والثوار) جزء من مخطط ما يسمى "الفوضى الخلاقة"، وبحيث يكون الثوّار ضد نظام محمد حسني مبارك عملاء أو مُضلَلين من قبل واشنطن ومخابراتها، ضد النظام المعروف بعلاقته من الأميركيين والإسرائيليين. وتُتَهم إيران أيضاً، أو يخشى حكّام وسياسيون ومواطنون عرب من احتمالات تفاهم إيراني مع الولايات المتحدة، ضد المصالح العربية.
بدايةً، لا يمكن فهم حقيقة موقف واشنطن من الإخوان المسلمين عندما وصلوا الحكم، أو موقفها من إيران حالياً، من دون فهم الاختلاف في نظرية السياسة الخارجية التي تحكم الإدارة الأميركية الراهنة، مقارنة بالإدارة السابقة. فإدارة جورج بوش الابن كانت "مثالية"؛ تؤمن أنّ من حقها ووظيفتها تغيير أنظمة الحكم في الدول الأخرى، بما ينسجم مع عقائد الحرية الأميركية، وأنّ قوتها العسكرية تقوم بمهمة مقدسة بتوليها ذلك، فضلا عن أنّ هذا يخدم المصلحة القومية الأميركية، ويقلل العداء للأمركة. أمّا الإدارة الراهنة، فلا تؤمن بهذا، وتعتقد أنّ ثمن تغيير عقائد وأفكار وعادات الناس أكبر مما يمكن تحمله. وهذه هي المدرسة "الواقعية" ذاتها التي جعلت واشنطن تتمكن من التوصل إلى تفاهمات مع الصين الشيوعية، على حساب السوفييت الشيوعيين، وتجعل الشراكة التجارية بين الأميركيين والصينيين أهم من المبادئ والأفكار الليبرالية والشيوعية. لذلك، إذا وصلت واشنطن إلى تفاهم مع الإخوان، فإنه لا يهمها بماذا يؤمنون، طالما لا يعادون واشنطن، ولا يشنون حربا ضد إسرائيل أو يلغون الاتفاقيات معها. وبالمثل، يمكن التفاهم مع إيران؛ فهذه الإدارة لا تكترث كثيراً بالشعارات الإيرانية من قبيل "الشيطان الأكبر" أو غيره. وربما لدى واشنطن سبب إضافي للتفاهم مع طهران، هو أنها تريد التعامل مع "دولة".
إنّ إحدى أبرز سمات النظام الدولي الجديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، تتمثل في أنّ الفواعل من غير الدول باتوا يلعبون دورا كبيرا، والمقصود هنا منظمات الإرهاب، وحركات التحرر، وشبكات الإعلام والقنوات الفضائية، والشركات. وحتى الأفراد باتوا يلعبون دوراً مستقلا عن الدول، ويفرضون إيقاع السياسة الدولية. فعندما وقعت اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، كانت أغلب حسابات الأمن القومي الأميركي قائمة على تشخيص الأخطاء بطريقة تقليدية؛ بالبحث عن الدول التي تعادي الأميركيين، مثل كوريا الشمالية وإيران، والاهتمام بالصينيين والروس، مع قناعة مثلا أنّ القارة الأميركية (أميركا الشمالية) محصنة من هجمات من جيوش أخرى. لكن فجأة تبيّن أنّ هناك مشكلة أطراف (غير دول) تخلط كل الأمور. وعندما ذهب وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد، للحرب في العراق، كان جزء من الأمر خلط واستسهال للهجوم على دولة، بدلا من مواجهة خطر الإرهاب، وصار الحديث عن "الدول الراعية للإرهاب" بدلا من الحديث عن الإرهاب. وبينما استطاع الجيش الأميركي التعامل مع الجيش العراقي النظامي وهزمه بسهولة متناهية، فإنه فشل في التعامل مع القوات غير النظامية، ولم ينجح في التعامل مع المقاومة والتمرد والإرهاب إلا بعد التفاهم مع العشائر المحلية السُنيّة العربية.
الآن من السيناريوهات المنطقية أن تسعى الإدارة الأميركية إلى التفاهم مع إيران، باعتبارها مفتاح جماعات كثيرة (غير دولة)، مثل حزب الله وربما "حماس"، وحليف محتمل ضد جماعات أخرى ("القاعدة" وفروعها). وإذا كانت كل من الدول العربية وإسرائيل تشعر بقلق من هذا السيناريو، لأسباب مختلفة، فإنّ السؤال هو: لماذا لا تحاول الدول العربية هي حل المشكلة مع "إيران الدولة"؟
لقد ذهب الساسة اللبنانيون بعد ضربة القنيطرة الأخيرة إلى الاتصال مع طهران أملا في ضبط رد حزب الله، فهل يمكن فعل هذا عربيا لترتيب المنطقة ككل؟ هذا مستبعد نسبيّاً، لأسباب منها أنّ حل المشكلة الطائفية في البلدان العربية، بمكونها الإيراني، يحتاج من الأنظمة ممارسة الإصلاح السياسي، ومحاربة الفساد، وتأكيد مبدأ المواطنة. وهذا ما تكرهه الأنظمة العربية، في غالبيتها العظمى، أكثر من أي شيء آخر.

التعليق