جميل النمري

الدين والفلسفة والتعليم

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2015. 12:08 صباحاً

أول دفعة على الحساب عربون النية لإصلاح التعليم ومراجعة المناهج ومواجهة التطرف والتخلف، وإعلاء شأن العقل ودعم الاعتدال، تكون بإعادة مادة الفلسفة إلى جميع صفوف الثانوية. ويمكن أيضا إعطاء الصفوف الأدنى مادة تتدرج في تفاصيلها عن الأديان والثقافات والحضارات والأساطير، وتطور نتاج العقل البشري.
كل شيء يبدأ من تعليم الصغار منهجا مستقلا ونقديا للتفكير، بديلا لحقنهم التلقيني بالحقائق المسبقة. ولو تمعنا قليلا بحق الناشئة علينا، فإنه ليس لأحد أن يفرض عليهم حقائق وتصورات مسبقة، ليس فقط لأن الحقيقة نسبية ومتبدلة، وما نحن عليه اليوم سيختلف غدا، بل الأهم أن التلقين بالحقائق المسبقة يغلق عقل الناشىء ويضعفه، ويضعه سلفا على الطريق الغلط. فما تلقنه منك اليوم كحقيقة إيمانية مطلقة، قد يستبدله غدا بحقيقة أخرى، ما دام العقل مهيأ فقط للتلقين. وقد تبدو العملية لأول وهلة مسألة قناعات عقلية، لكن الظروف والحالة النفسية وعوامل شتى تجعل الشخص هشا في تحولاته التي قد تأخذ منحى خطيرا. والتطرف الديني ينطوي على إغواء شديد، لأنه يذهب بالإيمان المطلق إلى أكثر أبعاده غلوا.
إذن، من حيث المنهج ليس مطلوبا من الدولة، وخصوصا في مجال التربية والتعليم، تقديم نسختها المعتدلة عن الدين لمكافحة التطرف بديل استبدال جذري لمنهج تدريس شؤون الدين والدنيا. ولتقريب الفكرة، لنأخذ التاريخ مثلا؛ إذ يمكن للمنهاج أن يركز على إبراز خط التسامح والاعتدال والوسطية في التاريخ الإسلامي منذ فجر الدعوة. لكن هذه هي الصيغة المقابلة المستندة لنفس المنهجية لخط التشدد، الذي سيقدم أيضا روايته المدعمة بالوقائع. والصحيح هو تقديم الوقائع بخلفيتها وظروفها ومبرراتها، وليس إخفاء أي منها، وعرض الصراعات كما قامت بالفعل، وتقديم خلفيتها المادية كما كانت بالفعل. وهو الشيء الذي يحاول التعليم إخفاءه لنقل بحسن نية، خوفا على صورة الدين في عقول الناشئة. والحقيقة أن هذا أساس شيوع السلفية، وصولا إلى نسختها الأكثر تطرفا، وهي السلفية الجهادية.
وألفت الانتباه بهذا الصدد إلى الملاحظة الذكية والعميقة لزميلنا الكاتب المبدع إبراهيم غرايبة، على عادته في التفكير خارج الصندوق؛ إذ طالب الدولة بالحياد لمواجهة التطرف. وهو ما يبدو غريبا ومتناقضا لأول وهلة، لكني استطرد معه في تفسير المقصود، وتحديدا في مجال حديثي اليوم، وهو التعليم.
فإذا جاءت الدولة، أو لنقل الخطاب الرسمي أو المنهاج، ليقدم نسخته الخاصة القائمة على فكرة الاعتدال والوسطية، ويقول إن هذا هو الدين الصحيح يا أبنائي وليس ما يقوله المتطرفون، فإنه بذلك لم يحل المشكلة، لأنه اعتمد نفس المنهجية؛ أي التسابق على تقديم الحقائق المسبقة. وكما يبين تاريخ صراعات الأفكار، فإنه عندما يتعلق الأمر بالحقائق المطلقة المسبقة، فإن التشدد يغلب الاعتدال، والسلفية تغلب الحداثة، وستكون معركة الدولة خاسرة.
نعم، الدولة أو لنقل التعليم يجب أن يكون حياديا، فيقدم النسخ أو القراءات المختلفة بعلمية وموضوعية، ويقدم المذاهب المختلفة داخل الدين نفسه بلا حرج، ويعرض الرواية كما يتلوها أصحابها بما في ذلك المذهب الشيعي مثلا. فهذا يساعد الناشئ على تكوين رؤية معرفية موضوعية للدين وللأفكار والتاريخ على ما فيها من تعددية، بدل الأحادية. والاعتدال في جوهره هو الانفتاح والموضوعية والعقلانية؛ ليس في مجال الدين فقط، بل في السياسة وكل شؤون الحياة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »و ما كان الناس الا امه واحدة فاختلفوا من بعد ما جاءتهم البيانات بغيا بينهم (عدنان)

    الأحد 22 شباط / فبراير 2015.
    و ما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا من بعد ما جاءتهم البيانات بغيا بينهم
  • »من يعلق الجرس (حمدان عليان غرايبه)

    السبت 21 شباط / فبراير 2015.
    أوافقك أستاذ جميل على كل ما ذكرت ، فأنا من الجيل الذي درس الإلزام والمعرفه، عام١٩٦٥. واعتقد بأنها ألغيت بعدنا ، واعتقد بأنها اضافت الى عقلي ومعارفي الشئ الكثير، والتي من خلالها تعرفت على ديكارت ، صاحب نظرية ( I think there. For I am )،أنا أفكر إذن أنا موجود ، وليس نظرية أنا احفظ إذن أنا دكتور او اي شئ اخر لا يعرف كنه نفسه ، نعم أنا أوافقك ،لكن سيقف أمامك وامام الف عالم ومثقف وفيلسوف ،وبنص واحد عتيق لا يتسق مع روح العصر ويشطب كل آرائك ونظرياتك لان لديه سلطه مطلقه يعتقد بأنها منزله اليه خصيصا وبالتالي يستطيع شطبك وشطب كل من يناصرك ، سيكون هنالك روادا سيعلقون الجرس ،رغم أعواد المشانق الفكرية التي تنتظرهم.
  • »الاعتدال والصراحة والوسطية هي الأساس (بسام ظبيان)

    السبت 21 شباط / فبراير 2015.
    كلام جميل ومتزن وواضح يضع النقاط على الحروف.علينا مراجعة الكثير في ثقافتنا ومنهجنا العلمي والتركيز على المفاهيم الدينية الصحيحة التي تؤكد بأن الدين والاديان السماوية انما جاءت لسعادة الإنسان ولأمن البشرية جمعاء
  • »حق يراد به باطل (عبدُالله)

    السبت 21 شباط / فبراير 2015.
    الكل متفق على ان نظام التعليم ومخرجاته ليستا بالمستوى والجودة المطلوبتين، لكن اصلاح نظام التعليم والدعوة للفكر الحر الناقد المبدع شيء والتشكيك بمسلمات الدين وثوابته شيء اخر .. الاسلام دين العقل والعلم والتفكر يدعو المسلمين للتفكر والتحليل والتامل في الكون واياته مع التسليم المطلق بثوابت الدين من غيبيات وشرائع ونصوص تعطي المسلم خصوصية عن غيره ممن اطلق عنان الفلسلفة والنقد والتشكيك في كل شيء بحيث اصبح خارج منظومة الكون ومعاكسا للفطرة، لذا اتمنى من الكاتب ان لا يدعو للتشكيك واعادة التفكير في ثوابت الاسلام .. وعليه ان يتاكد ان اصلاح نظام التعليم ومخرجاته وتحرير العقل من الجهل الخرافات والفلسلفة والاساطير الباطلة لا يكون الا بتمام التسليم لله وشرعه وتقبل دينه كاملا كما هو دون فلسلفة وتشكيك، وان الاسلام لا يكره احدا على شيء فهو واضح صريح قائم على ثوابت ومسلمات تتوافق وفطرة الانسان واصل خلقتة فمن رضي بهذا الدين فهو يتقبله كاملا كما هو ومن لا يرضى به فهو قراره...
  • »معك (المهندسة نور خالد)

    السبت 21 شباط / فبراير 2015.
    اتفق معك سعادة النائب ..نريد جيل يواجة التطرف و العنف و العدو و يبني حضارة فلنركز على تعليم اللغة العربية بعمق وتوسع يشمل المصطلحات الحديثة و التراثية و اساليب التفكير و المنطق و الفلسفة و علم الفلك . بدونها كل ما نتعلمه يكون مبعثر التوجهات .
  • »اتفق مع اﻷستاذ ماهر (خلدون)

    السبت 21 شباط / فبراير 2015.
    اتفق مع اﻷستاذ ماهر فيما تفضل ، نعم كانت تلك الجماعة من تضع الخطط و المناهج التربوية، و قد حان الوقت لكف يدها عن مستقبل ابنائنا و فتح المجال امام الطلاب للتفكير و النقد خارج اطار المسلمات.
  • »خطوات التغيير اللازمه لتحسين التعليم (مها صالح غرايبه)

    الجمعة 20 شباط / فبراير 2015.
    بعد خدمه واحد وثلاثين عام بالتعليم......علينا القول اولا علينا ان نفعل المسمى الاول للوزاره.....وهو التربيه اولا.....كيف نعلم الطالب حب المعرفه ..والنظافة ..والنظام...والترتيب والاخلاق الرفيعه....عدم حب القسوه والعنف ....الاحترام......احسان طرق التعبير عن الراى.....محبة المدرسه والمنزل والمجتمع والتمتع بالحفاظ عليهم..................................اما بالنسبه للتعليم اولا حسن اختيار المعلم واعداده بشكل كافى لهذه المهمه.......على بالى طرح فكره لها معنى كبير كنت اعمل على تفريغ الشحنات السلبيه عند الطالب بالمناقشه والحوار....وشرح طرق حل المشكلات.............وجعل حصه اسبوعيه تعطى من قبل مدرس او مدرسه ذات مهاره عاليه فى المحاوره والنقاش.....وكل ذكر فى المقال السابق جدير بالاحترام والتقدير
  • »وضعت يدك على الجرح (زكي محمد)

    الجمعة 20 شباط / فبراير 2015.
    كلام من ذهب. المفروض ان ينشأ الطالب على التفكير و النقد. و يجب ان يرافق ذلك جعل حصة المكتبة اجبارية على الطلاب.
    اذكر من وحي طفولتي اني عثرت على كتاب في مكتبة المدرسة في الصف الثامن عن سقراط. غير الكتاب حياتي.
  • »التطبيق (ماهر)

    الجمعة 20 شباط / فبراير 2015.
    اتفق مع الكاتب بما يقول , فإعطاء العقول اليافعة فرصة لتناول السابق من دون برمجة مسبقة هو ما نصبو الية لأبنائنا, المشكلة في التطبيق, للوصول الى هذه الحالة في البداية يجب تطبيق إجراءات حاسمه قوية وفوريه (غير ديمقراطية) من قبل الحكومة لتعديل وزارة التربية و التعليم و المناهج التعليمية الحالية من دون أي تأخير ولا وسطية , فكلنا نعلم من كان يخط سياسات التعليم والتدريس في المملكة , ويجب الحزم في وجه هذه الجماعة التي ترى في الاعتدال الضعف ويجب ان تلمس على ارض الواقع ان دورها في تأسيس اجيالنا قد انتهى
  • »مبدع انت و اﻷستاذ الغرايبة (خلدون)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2015.
    ليفخر مجلس النواب بنائب مثلك و ليفخر الذين انتخبوك بك.
    ابدعت في مقالك و وضعت يدك على الجرح.