الحلقة السادسة والثلاثون من "سياسي يتذكر"

بدران: رفضت التفاوض مع إسرائيل ولم أعلن معارضتي لوادي عربة

تم نشره في الثلاثاء 3 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران يتحدث لـ"الغد" ضمن سلسلة "سياسي يتذكر". (تصوير: محمد ابو غوش)
  • الملك عبد الله الثاني بعد تسلم جلالته الملك العام 1999

محمد خير الرواشدة

عمان - يقترب رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، في حلقة اليوم، من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" من اختتام جولة ذكرياته الشفوية، لعدة عقود من العمل العام، انتهت باعتزاله العمل السياسي، بعد استقالة حكومته الأخيرة العام 1991.
ويواصل بدران اليوم الحديث حول مواقفه من بدء المفاوضات مع إسرائيل، بعد مؤتمر مدريد للسلام العام 1991، وصولا إلى توقيع اتفاقية السلام في وادي عربة العام 1994. ويقول بدران إنه رفض الدخول في عملية التفاوض مع إسرائيل عشية مؤتمر مدريد. ويوضح "لم أرهق نفسي بملف السلام، لأني كنت مقتنعا بأن إسرائيل لا تريده، وأميركا لن تضغط عليها لتحقيقه".
لكن بدران، العين وقت توقيع اتفاقية وادي عربة، لم يعلن رسميا وعلنا معارضته للاتفاقية، ويقول في هذا السياق، "الحسين كان يعرف رأيي، وقد التزمت بالهدوء المطلق بعد خروجي من العمل السياسي، ولست من أصحاب الصالونات السياسية وأرفض مشاكساتها".
ويتطرق مدير المخابرات الأسبق اليوم إلى ما عرف بقضية "النفير"، التي حكم فيها مطلع التسعينيات على النائبين المعارضين ليث شبيلات ويعقوب قرش، بالإعدام، قبل أن يصدر الملك الحسين عفوا عنهما ويغلق ملف القضية، ويشير بدران إلى أنه التقى الحسين حينها، ونصح بأن القضية تقوم على شهادة "شاهد ما شفش حاجة".
كما يتحدث بدران اليوم عن آخر عهده بمهمة رسمية، كلفه بها الراحل الحسين، قبل وفاته، وهي ترؤس لجنة ملكية لإنشاء الجامعة الهاشمية، ويتحدث هنا باستمتاع عن فكرة إنشاء الجامعات، التي أشرف خلال حكومته الأولى على إنشاء جامعة اليرموك، قبل أن يشرف لاحقا أيضا على إنشاء جامعة العلوم والتكنولوجيا.
 ويتوقف بدران اليوم، عند محطة مؤلمة لكل الأردنيين هي وفاة الحسين، ووقع ذلك الخبر على نفس بدران وباقي الأردنيين. وهو لا يتردد بالقول أن أمنيته كانت دائما أن يموت قبل الحسين، "لأني كنت أحبه كرجل وملك وأخ وصديق.. وكان يأسرك بتواضعه".
وفيما يلي نص الحلقة السادسة والثلاثين

* ماذا عن موقفك من اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، وأين كنت في تلك اللحظات؟
- لم يكن لي موقف معارض معلن، من اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، والتزمت بأدبيات انسحابي من المشهد السياسي، بعد استقالتي من الحكومة العام 1991.
فقد كان موقفي واضحا ومعلنا، وقلته للراحل الحسين، من دون أي مواربة أو ضبابية، فأنا لا أشارك بالمفاوضات، مع إسرائيل، ولا أتحمل مسؤوليتها، وكان ذلك بسبب علمي اليقيني، بما ستؤول إليه الأحوال، فلا إسرائيل بواردها الالتزام باتفاق سلام، ولا أميركا تستطيع الضغط عليها، من أجل إنجاز سلام مع العرب.
ولما انتهت كل المفاوضات، وتم توقيع اتفاقية السلام في منطقة وادي عربة، قلتها لعبد السلام المجالي، بأن المفروض، وعلى الأقل، أن يكون لهذا الاتفاق ثمن، وأقل هذه الأثمان، سداد المديونية الأردنية، وشطبها، وقلت له: "خلّوا الرئيس الأميركي كلينتون واقف، تحت قيظ الشمس، وغبرة الصحراء، في انتظار موقفكم من عدم التوقيع، إلا بعد سداد المديونية"، وكان رأيي بأن هذا أضعف الإيمان، لكي يرضى شعبنا.
وكنت قبل ذلك قد طلبت من الدكتور جواد العناني أن يقرأ جيدا كل حرف في اتفاقية السلام، وأن لا يتركوا أمرا إلا ويشبعوه بحثا، ففي الأمر مسؤولية تاريخية، أمام الضمير وأمام الشعب.
باختصار، هذا موقفي من السلام مع إسرائيل، وما تنبأت به جاء مطابقا للواقع، لذلك لم أرهق نفسي في ملف السلام، لأني لم أقتنع به يوما.
أما عن معارضتي، فقد كان الحسين يعرف بها، من دون أن أسعى للتعبئة ضد القرار الرسمي، فقد علمت جيدا، من وقت مبكر، بأن الحسين ينوي المضي قدما في الأمر، خصوصا بعد أن أُنهكنا من حصار العراق والحرب عليها، وبعد ما تم فرضه علينا من حصار دولي، بسبب موقفنا المبدئي من القضية العراقية.

*كنتَ تحدثتَ في الحلقة الرابعة، على ما أذكر من مذكراتك، عن قصة لها ارتباط بليث شبيلات، حيث خدمتك خبرتك الأمنية في المساعدة على إطلاق سراحه في قضيته المشهورة (النفير)؟
-عندما حدثت قصة محاكمة ليث شبيلات ويعقوب قرش، كنت في بيتي، ليس لي أي صفة رسمية في الدولة، وكانت جريدة الدستور، تنشر محاضر المحاكمة كاملة على صفحاتها، بينما كانت جريدة الرأي تقدم تلخيصا لجلسات المحكمة.
وفي إحدى مناسبات العزاء، كنت جالسا عند عبد الرؤوف الروابدة، وكان هناك موظفون قادمون من اربد، يريدون تقديم واجب العزاء، فتوجهوا بالسؤال لأبي عصام (الروابدة)، عن رأيه بمحاكمة شبيلات، وأشار إلي، وقال: "لا يفتى ومالك في المدينة"، طبعا هربت من الإجابة، لأني لم أقرأ أيا من تلك الجلسات المنشورة في الصحف، وقلت "لا نحكم على الأمر إلا بعد انتهاء القضية".
عدت بعدها للمنزل، وبدأت قراءة كل تلك الجلسات، فقد كنت أضعها جانبا، لكي أقرأها في وقت فراغ، لكني تباطأت في ذلك، ولولا شعوري بالحرج أمام السؤال، وخوفا من تكراره، لما قرأتها أصلا.
بعدها، وعند قراءتي لجلسات المحاكمة، صعقت، واستغربت كيف يمكن التعامل مع قضية، بهذا الحجم بهذا الأسلوب، وشعرت بالخجل، وأنا أقرأ تفريغ مكالمات هاتفية، تم تسجيلها لنساء يتحدثن فيما بينهن بشؤون أسرية، ليس من حق الرأي العام الاطلاع عليها، ولا تخدم مثل هذه التسجيلات القضية، فهذا عيب كبير.
بعدها، صرت أتابع ما ينشره الإعلام، عن الجلسات متابعة حثيثة، ووجدت بأنه لا يوجد بينات من أساسه، حتى صعقت بحكم الإعدام، الذي صدر بعد شهادة الشاهد الأخير، الذي قيل أنه جاء من ألمانيا، وهو عراقي الجنسية.
كان محامي الشبيلات المرحوم إبراهيم بكر، وهو رجل صادق ومبدئي، ويمتلك فكرا حرا، ولا يخاف من قول كلمته، كان رحمه الله رجلا حقيقيا.
اتصل بي وطلب زيارتي، ولم يكن بيني وبين الرجل أي اتصال قبلها، لكني أعرفه وأسمع عنه واحترمه، وتحدث عن قضية الشاهد، الذي جاء من ألمانيا ليشهد في القضية، وقال لي إبراهيم بكر، بأنه يريد أن يعقد مؤتمرا صحفيا، ويفضح كل الأمر، وأن المخابرات هي من جاءت بهذا الشاهد، وهي من وظفته ليقول ما قاله في المحكمة، وكان كلام بكر هذا بعد أن هدد الشاهد العراقي القادم من ألمانيا، بفضح تفاصيل الضغط الأمني عليه، ليدلي بشهادته، ويريد هو الآخر أن يعقد مؤتمرا صحفيا في ألمانيا.
طلبت من بكر أن يصغي إلى ما سأقوله، من باب التحليل وليس المعلومات، وطلبت منه أن يذهب إلى وزارة الخارجية ويطلع على بيانات الشاهد، وتحديته، بأنه سيجد أن العراقي ذهب لسفيرنا في ألمانيا، وأبلغه بما يمتلك من معلومات عن قضية شبيلات، وبدوره أبلغ السفير وزارة الخارجية، التي أبلغت المخابرات العامة، وتم الإتيان بالشاهد.
وقلت له: الشاهد يريد أن يبتز الدولة الأردنية بالمال، مقابل تلك المعلومات المضللة، التي زعم بأنه يملكها، وعندما وجد أن لا أحد يدفع له أي مقابل، هدد بفضح الأمر، والإدعاء بأنه أدلى بشهادته تحت تهديد أمني.
وأكدت لإبراهيم بكر بأن هذا هو تحليلي للأمر، ورجوته بأن يتأكد من الأمر، من خلال وزارة الخارجية أولا، وبعدها سأتدخل عند الملك الحسين.
بالفعل، ذهب بكر إلى وزارة الخارجية، واطلع هناك على البرقية، التي بعثها سفيرنا في برلين، واتصل بي ليؤكد ما قلته من تحليل.
عندها، طلبت منه أن لا يتصرف بأي شيء، حتى أطلب مقابلة الملك الحسين، وأحدثه بالأمر.
طلبت لقاء الحسين رحمه الله، وبالفعل استدعاني جلالته للقاء بذات اليوم، وتحدثت للحسين بما عندي من كلام، وأبلغته بأن الشاهد الذي نطق القاضي، بعد شهادته، بحكم الإعدام على شبيلات وقرش، هو "شاهد ما شفش حاجة"، وهاجمت المحكمة والمدعي العام، واستغربت كل تفاصيل المحاكمة، وبالفعل كنت قادرا على قراءة مجريات وتفاصيل المحاكمة، التي نشرت بالصحف بحيادية وموضوعية، وقرأتها كمحام أولا، وقرأتها بعقل القاضي، دون أن أنصب نفسي طرفا في القضية.
وقلت للراحل الحسين بأني استطعت أن آخذ موافقة إبراهيم بكر، على عدم الإدلاء بأي تصريحات، حتى يتم عرض الموقف أمامك.
بعد أن صمت الراحل الحسين طويلا، طلب مني أن أترك له الأمر، ليتولى بنفسه الموضوع، وبالفعل ذهب الحسين لسجن شبيلات، وأخرجه منه بسيارته. وإذا كانت ذاكرتي صحيحة، فهو أفرج عنه بنفس اليوم، أو اليوم الذي يليه، على أبعد تقدير، لا أذكر بالضبط.

* وهل اعتزلت العمل السياسي تماما بعد تجربتك الأخيرة في الحكومة؟
- فقط اقتصر حضوري السياسي، على عضويتي في مجلس الأعيان، ومن دون أن يكون لهذا الحضور، أي جلبة أو مواقف صاخبة، وأنت أمام اختيار الملك الحسين لك، في مجلسه، كل ما عليك هو أن تلتزم برغبة الحسين.
لقد التزمت بالهدوء المطلق، فمن يقرر خروجه من العمل السياسي، عليه أن يحترم أدبيات ذلك، خصوصا وأنني في الأصل، لست من أصحاب الصالونات السياسية، ولا أؤيد وجودها ومشاكساتها، وممارستها للإشاعات، كما أني تعبت فعلا وليس قولا من العمل العام الشاق، الدولة تفاصيلها كثيرة، وإذا أردت متابعة كل شيء، فقطعا ستجد نفسك في دوامة عمل جديدة، وهذا ما أردت الابتعاد عنه.

* ولم تقدم نصحا لأي رئيس حكومة؟
- أنا لا أتدخل في شؤون الآخرين وقراراتهم، وليس من هوايتي تقديم النصائح، وأنا مسترخ في بيتي، اللهم إذا طلب مني الرأي، فلا أتأخر من باب الواجب.
لكن أذكر، بأن في كل تلك المرحلة، سألني رئيس الوزراء عبد الكريم الكباريتي، عن نصيحتي له، بقرار رفع أسعار الخبز (1996)، وقلت له هي قضية "ستحرق أصابعك"، ونصحته أن يكتفي بما أوصت به اللجنة المالية في مجلس النواب، من رفع لأسعار الخبز، ولا يطمع برقم آخر.
ثم بعد تلك الأحداث، التي جاءت بعد قراره، طلبنا الراحل الحسين في اجتماع في الديوان الملكي، وقال الكباريتي بأني نصحته، لكن لم يستجب لنصحيتي، وقال ذلك في اجتماع حضره رؤساء حكومات سابقون.

*هل كنت على علم بمرض الراحل الحسين، وكيف تعاملت مع خبر وفاته، رحمه الله العام 1999؟
- لم أكن أعلم بحقيقة مرض الحسين، كل ما كنت أعرفه، بأني، وبعدما أنجزت مشروع دارات سمير شما، بتبرع سخي من رجل الأعمال السعودي، من أصول فلسطينية، سمير شما، وهو عبارة عن قيمة بناء الدارات، بـ750 ألف دينار أردني، ورفض أن يتبرع إلا إذا قمت أنا بالإشراف على تصميمها وبنائها، وقبلت بشرط أن لا أديرها.
بعد إنهاء المشروع، اتصلت بالراحل الحسين، وطلبت منه افتتاح الدارات، لأنه عمل سيفرح به الحسين، ويحظى بإعجابه، وكنت فعلا أريد أن أفرح قلبه بهذا العمل.
على الهاتف، قال لي الحسين، بأنه سيسافر بعد ثلاثة أيام للولايات المتحدة، ويجري فحوصاته الدورية، وعندما يعود سيكون في افتتاح المشروع.
سألته إن كان في الأمر ما يقلق، أو أن صحته بخير، فقال هي فحوصات دورية.
سافر الحسين، وبدأت الأنباء تتواتر، عن تدهور صحته، رحمه الله، كان ظني بأنها أزمة صحية عابرة وستمضي، لم يذهب ذهني لناحية أن تتطور الأمور وتصل لدرجة الوفاة.
تابعت الأمور، وكنت في كل يوم يتأخر فيه الحسين خارج الأردن، أشعر بأن أمرا جللا سيصيبنا جميعا، على الأقل نحن الذين كنا نعمل بالقرب من الحسين، فقد سُحرنا به، وكنا لا نعرف كيف سيكون الحال من بعده، أنت عندما تعرف الحسين تشعر بأنه ظاهرة لن تنتهي، أو لعلنا لم نفكر في أمر وفاته من قبل.
قد يكون لي دعوة واحدة، اختزنتها في حياتي، وهي "أن أموت قبل الحسين"، لا لشيء، لكن، لأني كنت أحبه كرجل، وأحبه كملك، وأحبه كصديق وأخ.
لم نشعر بيوم من الأيام بأنه ملك علينا، فهو يأسرك بتواضعه، ولم نشعر بيوم من الأيام، بالحرج من أن نتحدث أمامه، في أي أمر، لأننا نعلم بأنه يحب هذا الوطن، ويريد مصلحته، لذلك كان ينحاز للرأي، الذي يظنه صوابا، لكن في نفس الوقت، له حساباته الدقيقة، في فهم المعادلة السياسية الكونية، فلم يكن يرتجل في قراراته، لكنه كان يفكر بعمق، ولا مجال للصدفة في قراراته، وإن حظيت بالعمل، إلى جانبه، فقد تعرف تماما ما أقصده، ففي أبسط حركاته، إشارة لقرار يختزنه وسيأخذه في المدى القريب أو المتوسط.
باختصار، الحسين أسطورة لا تتكرر، الوحيد الذي ردعني في موت الحسين، وهزني بكل جوارحي، وتركني أبعد عن الحزن، كان الصديق طارق علاء الدين، فقد تحدثنا وقتها، وقال لي: "شو السيرة أبو عماد، مين كان بيعرف بوقت الموت، أصلا ما بيجي على بال حدا، إنه الملك الحسين، رح يموت بالسرطان، بنعرف إنك بتعمل حسابات دقيقة لكل شيء، بس أنت كنت عامل حساب مرضه السريع، ووفاته الأسرع، روقها أبو عماد".
وفعلا كلماته صحيحة، ولا مجال للنقاش فيها.

*وكيف مضت جنازته، رحمه الله، وكيف يمكن لك أن تصف مشاعرك؟
- بالنهاية، اقتنعت بأن الموت حق، لكن يبقى المتوفى، الملك الحسين رحمه الله، وهو بالنسبة لي أكثر من ملك.
عرفنا بقرب رحيله، من خلال اجتماع لرؤساء الحكومات السابقين، في مجلس الوزراء، وأدار الاجتماع رئيس الوزراء وقتها الدكتور فايز الطراونة.
ما كنت أخشى على أي شيء، فنحن دولة مؤسسات ودستور وقانون، ودستورنا يسمح لك بكل أريحية، وبوقت قصير، أن تنقل الحكم من الملك الراحل، إلى الملك الجديد.
كنت فقط أتوقف طويلا عند الأردن، من دون الحسين، لم أفكر بالأمر في حياتي، وتفاجأت بأني مطلوب مني، أن أتعامل مع هذه اللحظة الصعبة، أن أسير في جنازته المهيبة.
تسارعت الأحداث، وانتقل الراحل الحسين إلى الرفيق الأعلى، وكما كنت متوقعا، فكل الأمور سارت على أحسن ما يرام، لم يتأخر أحد في أي إجراء، وبسلاسة أدى الملك الجديد، الملك عبد الله الثاني، اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة.
وبدأت الوفود تأتي للمشاركة بتشييع جثمان الراحل الكبير لمثواه الأخير، وفي ذلك اليوم، لك أن تنظر إلى الساحة، وتجد فيها زعماء وقادة ومسؤولين عربا وأجانب، أعرف أغلبهم من خلال العمل مع الراحل الحسين.
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، يلقي علي التحية من بعيد، وبحثت عن حافظ الأسد، فلم أجده، لأنه بقي في خيمة العزاء، بسبب وضعه الصحي، ومن بعيد، لوح الرئيس المصري حسني مبارك لي بالسلام، وكان يقف إلى جواره رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، وقتها، شمعون بيريز، وكان يقف إلى جانبي عدنان ابو عودة، وهو من نبهني بأن بيريز يشق الصفوف، ويحاول أن يصل لي، لكي يصافحني، فهربت للداخل، فكنت لحظتها، لا أعرف بما سأقوم به إن مد يده للسلام.
وأنت تقف في الجنازة، يمر بك شريط ذكريات طويل، مع الملك الحسين، وتقرأ في وجه كل ملك وأمير وزعيم وقائد ومسؤول قصة للراحل الحسين، وكيف لهذا الملك، أن يجمع هؤلاء في غضون ساعات، ويكون هو الرقم الصعب الذي قبل القسمة وحده، على كل هذه الأضداد، زعماء ودول.

* لكن بعد اعتزالك للعمل السياسي، استكملت عملك في رئاسة اللجنة الملكية لبناء الجامعة الهاشمية؟
-صحيح، وقد كان آخر تكليف شرفني به الملك الراحل الحسين، وهو ترؤس اللجنة الملكية لبناء الجامعة الهاشمية، وتم استكمال البناء في مطلع عهد الملك عبد الله الثاني، والتزمت بإنهاء المهمة كما يجب، وقد سعيت لتحصين البنى التحتية في الجامعة، بعناصر الكفاءة والاستمرارية، فأنا أحب فكرة بناء الجامعات، لأنها تعني لي الكثير في فلسفة بناء الوطن.
وافتتح الملك عبد الله الثاني المشروع، وقام بتخريج الفوج الأول من الجامعة.
وكنت استفدت من تجربة بناء جامعتي اليرموك والعلوم والتكنولوجيا، وهما جامعتان بناهما الأردنيون بشغف وانتظار، وأذكر كيف كنا نعمل ليل نهار، نريد لهذه المشاريع أن تنجز بسرعة، فالتعليم حلم كل الأردنيين.
وأذكر نزاهة أعضاء اللجنة، الذين عندما طالبتهم بحلف اليمين، من أجل منع تسريب مكان إقامة جامعة اليرموك (في السبعينيات) استجابوا، حيث خفنا أن يتسرب الخبر بين الناس، وتصبح سببا في حركة شراء الأراضي، وعندها نتهم بنزاهة اللجنة، وهو ما لا نريده، ولا نريد لمشروع تعليمي أن يرتبط بفساد.

* لكن، عندما اعتزلت عملك في العمل العام، لجأت لتأسيس عمل في القطاع الخاص، وصرت صاحب شركة حديد؟
-أولا، الأمر ليس هكذا، فكلمة صاحب شركة، كلمة كبيرة جدا، لكن أنا مساهم، من عدة مساهمين، في شركة حديد.
وهو أمر ليس سرا، والكل يعرفه، لكن لذهابي لهذا العمل أسبابا، الأول أن يكون لي مصدر دخل إضافي، والثاني أن أجد ما أتسلى به خلال تقاعدي السياسي.
أما السبب الأهم، فهو لما سمعت عن معاناة أحد أصحاب المستشفيات المهمة في الأردن، وكان هو داوود حنانيا، عند بناء المركز العربي للقلب، حيث عانى خلال مراحل البناء، في تأمين الحديد لبناء مشروعه، وأن السبب في بطء إنجازه هو احتكار الحديد، وبالتالي، زيادة الطلب عليه، وهذا يعني التلاعب بالأسعار، لصالح رفعها، استغربت.
في تلك الأيام، كان الأردن يشهد ثورة بناء، وهناك إقبال على الأعمال الانشائية، ولقد حسبتها بدقة، فأنت عندما تهم بإنشاء أي بناء، تشتغل معك 32 مهنة وصاحب حرفة، وهذا ينعكس على أوضاع الناس المعيشية، بشكل أو بآخر.
في أكثر من مناسبة، رأيت رئيس الوزراء وقتها، الأمير زيد بن شاكر، وقلت له أن موضوع الحديد في الأردن، فيه مشكلة، وعليه أن يعطي رخص استيراد حديد، لأكثر من مستثمر، والقصد بنصيحتي، هو عدم الإضرار بمصالح المستثمرين.
نصحته بأن يكسر الاحتكار، ويعطي رخص استيراد للحديد، وأن يحفز البعض، على كسر هذا الاحتكار، بوجود شركات منافسة، أظنه، ومع زحمة انشغالاته، نسي الأمر، أو لم يعره الانتباه اللازم، في آخر مرة تحدثت إليه في الأمر، قلت له عليك يا أبو شاكر أن تسمع نصيحتي، أو أني سأغامر بذلك بنفسي، وسأقوم بتأسيس شركة حديد.
نظر إلي وضحك، وقال أنت صاحب شركة!، فقلت أنا جاد في الأمر، فقال "ما بتخيل تعملها"، ثم سكت قليلا، وقال: "ليش ما تعملها؟ والله بتسويها!".
كنت في يوم من تلك الأيام، مدعوا على العشاء في منزل علي السحيمات، وكنا نحو 25 مدعوا، وقلت: لقد قررت أن أعمل مصنع حديد، ومن يريد أن يتشارك معي فعليه رفع يده.
فرفع الجميع أيديهم، قلت: على بركة الله، وكان التوفيق من عنده سبحانه.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيرة عطرة وبيان كريم من رجل شريف (هاني معتوق المعاني)

    الثلاثاء 3 آذار / مارس 2015.
    العملة الجيدة التي طردت العملة الرديئة ...
    غيرك اخي لن يكتب مذكراته لانها بتخزي .....
    ولن يكتبها وانت عايش اطال الله عمرك وانعم عليك بالصحة والعافية والسعادة .....
    بلدنا لا نفط ولا قناة سويس ولا ..
    ولكن فيه رجال كبار امثالك فانتم ثروته التي لا تقدر بثمن ...