نادر رنتيسي

نبأ لوقف إطلاق النار

تم نشره في الأربعاء 4 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

..وتسألني ما اسمك. ألم أخبركِ أنني فقدتُ أشياءَ كثيرة: أبي النائم وأمي التي تنام مبكراً لتراه، لون وجهي بعد أول خيبةٍ في الحبِّ، شجرة السرو في قريتنا التي سقطت مغشياً عليها، ديوان أهدتني إياه طالبة اللغات القديمة مكتوب بالأبجدية المصرية، شعرتان بيضاء وسوداء على وسادتي الطرية. وأشياء كثيرة أسير الآن في الشارع دونها، واسمي أيضاً نسيته من جملة النسيان، كانت تناديني به أمِّي، لكنَّها كفَّت عن ذلك منذ صار يتعبها صعود الألف، وكان لي حبيبة يعجبها المدُّ في اسمي الطويل، لكنَّها تركتني مكسوراً أسفل الراء، أو الواو. لستُ أذكر، لكن لا شكَّ أنكِ صدّقتِ الآن أنّني بلا اسم كأشياء كثيرة سقطت مغشياً عليها.
ولا تسأليني ما عمرك. قلتُ لك أول العمر أنا هنا منذ خمس حروب وسبعين معركة وثلاث غزوات. بالأيَّام لي تسعون ألف خطوة أمام السلام منزوع العدل، وبالسنوات لي خمسة وثلاثون بياناً أوّل، والآن أنا في العقد الرابع من "كامب ديفيد"، وبعد قليل من الهدنة سأصابُ بأزمة منتصف النجاة، فخَجِلٌ مني لأنّني حيٌّ والموت مجَّانيٌّ بالسيف والرصاص والخازوق المدبّب، أو فرط الجلوس أمام "الجزيرة". لستُ سعيداً لأنَّ نشرة الوفيات تجاهلتْ اسمي. (وتسألين بدهائك: كيفَ ستعرفُ أنك متَّ إنْ كنتَ تجهلُ اسمكَ) يمكن أن يدلني العُمر لو قالت المذيعة إنَّ رجلاً مات عن عمر يناهز ألف نبأ لوقف إطلاق النار.
ومن أيِّ بلاد أنا.. تسأليني بإصرار الطفلة على الجدة. أنا من أرض الله، وكانت قبل كذا حرب واسعة والسماء راية زرقاء، جدِّي ذهَبَ إلى "الكوت" حافياً. أكل من نخلة دانية في "البصرة"، وشرب بكفه ماء من "دجلة"، ونام نصف الليل، واستفاق على موَّال عنَّ على نصف ليل "النيل"، وأبي العاشقُ القديمُ عدَّل ياقة قميصه في مرآة "بردى"، كان له موعد حبٍّ متأخِّر على الضفة اليسرى لنهر الأردن. أنا يا صديقتي من بلد النّهر قبل أنْ تصبح البلد بلاداً والنهر نهرين.
أنتِ يا صديقتي فضوليّة كقِطّة عمياء، وأنا خالي الذهن كصحن فارغ في الفناء. تريدين أن تعرفي بدقة الأجهزة الفائقة الذكاء أين أجلسُ الآن. قبل قليل كنتُ شاعراً في صنعاء مات منتحراً بعد أن كتب على صفحته الزرقاء: مَرّوا. وقبل وقت ما كنتُ مغنياً من الموصل لكنّ السكين التي جزت عنقي زنّرت خصرها بحَبْل صَوْتي، وكنتُ عازف ربابة في الرقة لكنَّ الوالي أمر بتغيير مهنتي إلى شرطي أمر وداعية معروف، وعاشقاً بكراً سأكونُ بعد قليل في بنغازي، ويعدني "أمير" بامرأة بيضاء، رغم أنِّي أبيعُ ما بعد الدنيا من أجل سمراء وقصيدة نَبطٍ بين عينيها.
وتمسكين يدي لتعيدينني. إلى أين نعود. الخيل العثمانية عادت إلى الاستانة، والجنود الفرنسيون التقطوا صور الوداع على قا سيون، وغابت الشمس عن جنوب بريطانيا. فأعيديني معكِ إن استطعتِ لحدود الخامس من حزيران، فقط لأشعر أن لي يدين، إلى الخامس عشر من أيار، ربَّما أتذكَر إنْ كان لي اسم وأمٌّ تغنِّيه، إلى الثاني من آب لأعيد ترتيب الأخطاء من الغزو إلى الغزو، أعيديني معكِ إن عدتِ فقط إلى التاسع من نيسان، لنسمع دويَّ السقوط ونعدَّ أسماء العواصم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وقف النار (غالية)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2015.
    كلماتك ترسم اجمل اللوحات .دام تألقك وتألق حروفك
  • »من كل قلبي أنت رائع (مفتاح علواني)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2015.
    أخي .. من كل قلبي أنت رائع .. رائع كروعة اللغة عندما تنساب من فم نحويٍّ ضليع ..
    أحبك بلا مقابل .
  • »نبأ انتظرناه كثيرا (fatema morad)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2015.
    نص رائع اخاذ ساحر بالافكار لدرجة انني أتساءل كيف ياتيك وحي القصيدة اقصد النص في كل مرة لتاخذنا معك بنصوصك الابداعية وتاسرنا بسردك الخلاب المبدع ،