اليابان في ركب التمويل الإسلامي

تم نشره في الأحد 15 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً

د. غسان الطالب *

بعد لندن والعديد من الدول الأوروبية التي سارعت الى التعامل مع منتجات الصناعة المصرفية الاسلامية وسعت لأنشاء مراكز مالية لجذب المزيد من الاستثمارات التي يمكن ان تحققها هذه الصناعة، ها هي اليابان تستعد اليوم للدخول في سباق مع الاسواق المالية الأوروبية وذلك من خلال الاجراءات التي تنوي اتخاذها بتخفيف القواعد التنظيمية التي تؤدي الى السماح للبنوك في نظامها المصرفي  بالتعامل مع المنتجات المالية الاسلامية في سوقها المحلية، حيث يكون بامكان هذه البنوك التعامل مع المنتجات المالية الاسلامية وخاصة الصكوك الاسلامية، بواسطة فروعها الخارجية، وسيبدأ أول بنك تجاري باصدار الصكوك الاسلامية هو (أوف طوكيو-ميتسوبيشي يو.إف.جيه) حيث ستكون اليابان بهذا التحول تجاه المالية الاسلامية واصدار الصكوك سوقا واعدة وضخمة في آسيا للتعامل مع منتجات الصناعة المصرفية الاسلامية، وقد سبق لوكالة التعاون الدولي اليابانية ان وقعت اتفاقا مع البنك الاسلامي للتنمية بهدف ابتكار ادوات مالية تنسجم مع الشريعة الاسلامية ويتضمن كذلك اصدار الصكوك الاسلامية.
اذا ننتظر من اليابان " بلاد الشمس المشرقة " كما يسمونها ولموقعها الجغرافي الآسيوي والعالمي ان تقود مرحلة جديدة من التحول نحو المصرفية الاسلامية بعد ان هيأت البيئة القانونية والتشريعية اللازمة لذلك وان تصبح مركزا لاستقطاب الاستثمارات ورؤوس الاموال الاسلامية الباحثة عن فرص للاستثمار , حيث تسعى كبقية الدول التي تأثرت بالازمة المالية العالمية وتبعات الرهن العقاري ان تبحث عن حلول لمشاكلها المالية والذي بدا واضحا على كافة القطاعات الاقتصادية مما اضطر الحكومة اليابانية للإعلان رسميا عن حالة ركود اقتصادي لم تشهدها اليابان منذ سنوات.
على الرغم من النقص الكبير في مواردها الطبيعية كالمواد الخام ومصادر الطاقة إلا ان اليابان تعد القوة الاقتصادية الثالثة في العالم  ويقارب عدد سكانها الـ (130) مليون نسمة، من هنا تأتي أهمية دخولها سوق المصرفية الاسلامية ليعطي بعدا جديدا لتوسع وانتشار هذه الصناعة اضافة الى البعد التنافسي مع الاسواق الاخرى الطامحة لتكون مركزا عالميا للصناعة المصرفية الاسلامية، وما تأمله مؤسسات التمويل الاسلامي من اضافة نوعية وسوقية وتنافسية لدخول اليابان لما هو معروف عنهم بما يسمى "السر الياباني" والمرتبط بمبدأ الجودة الشاملة التي طوروها حتى اصبحت مدرسة الجودة اليابانية افضل مدرسة في العالم لتركيزها على مبدأ الجودة والنوعية وتطويرها في كل مرحلة من مراحل الانتاج، اضافة الى الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي الذي تميز به هذا البلد.
ان الاهتمام الدولي وخاصة الدول الغربية والآسيوية اليوم بدخول اليابان وبعض دول أميركا اللاتينية يضع المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية أمام مسؤوليات جادة تفرض عليها تطوير أدائها وقدراتها التنافسية للاستجابة للطلب العالمي على المنتجات المالية الإسلامية وخاصة في موضوع الصكوك ويعزز ذلك التقديرات الخاصة للأصول والاستثمارات الإسلامية في مختلف دول العالم حيث من المتوقع أن تصل إلى ما يزيد على 3 تريليون دولار العام 2018.
وامام هذا التطور في فهم طبيعة العمل المصرفي الاسلامي، فان مصارفنا الاسلامية مطالبة كذلك بالتحول السريع إلى مرحلة جديدة من العمل الجاد والمتواصل والاستفادة من الظروف المتاحة كافة أمامها والأفق الجديد الذي أوجده دخول سوق ضخم ومتميز مثل اليابان، لمواصلة النمو وبذل المزيد من الجهد لابتكار أدوات مالية جديدة وتطوير صناعتها المالية القائمة، علما بأن دول العالم الإسلامي والمنطقة العربية مع دول العالم وخاصة الأوروبية تشهد تغيّرات ديموغرافية واقتصادية وسياسية ونمطا جديدا من العلاقات الثقافية والمعرفية لابدّ وأن ينعكس ذلك على العمل المصرفي سواء التقليدي أو الإسلامي.
ومطلوب منها ايضا أن تنتقل إلى حالة متقدمة من الابتكار لمنتجات مالية إسلامية جديدة طويلة ومتوسطة الأجل وطرح أدوات مالية تتناسب مع التقدم الاقتصادي الذي يشهده العالم لتكون قادرة على المساهمة في حل مشاكله التمويلية مع الالتزام بأحكام وفلسفة الشريعة الإسلامية، وإننا على يقين بأن المصارف الإسلامية تمتلك عناصر القوة التي تؤهلها لذلك ولديها القدرة على الاستفادة من التطورات العلمية والتكنولوجية المتجددة والمتسارعة لتأكيد الدور المستقبلي للصناعة المالية الإسلامية، وتمسك بزمام المبادرة لتوجيه بوصلة المصرفية الإسلامية باتجاه المكانة العالمية التي تستحقها.

خبير في التمويل الاسلامي *

التعليق