في مراجعة لسياسة الجوار الأوروبي: ماذا بعد؟

تم نشره في الأربعاء 25 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً

د. يؤانا فرونيتسكا

على مدى السنوات العشر الماضية، حققت شراكتنا مع الأردن نجاحاً باهراً. وقد أنشئت هذه الشراكة في إطار سياسة "الجوار الأوروبي" التي تشكل أساس تعاوننا مع البلدان الواقعة على حدود الاتحاد الأوروبي كافة.
إلا أن سياسة "الجوار الأوروبي" لم تكن دائماً قادرة على الاستجابة، بالصورة المناسبة، لتطلعات شركائنا المتغيرة. ولذلك، لم تتحقق مصالح الاتحاد الأوروبي بالكامل. ولهذا السبب، اقترح الاتحاد الأوروبي إجراء مراجعة بعيدة المدى لهذه السياسة.
وفي 4 آذار (مارس) الحالي، أطلقت الممثلة السامية فريديريكا موغيريني، ومفوض سياسة الجوار يوهانس هان، مشاورات مدتها أربعة أشهر مع جميع شركائنا، بشأن كيفية المضي قدماً. وأعتقد أننا في هذه المراجعة بحاجة إلى دراسة أربع نقاط رئيسة:
أولاً: ما الذي يمكننا القيام به لزيادة نطاق التمايز في الطريقة التي نعمل بها مع شركائنا؟ إذ لدينا شركاء في الجنوب على استعداد للعمل معنا ضمن إطار اتفاقيات صعبة جداً. وبعض الشركاء في الشرق مقبلون على الشراكة وعلى اتفاقيات للتجارة العميقة. وفي حين أنه لم يتم استنفاد نطاقات هؤلاء الشركاء، إلا إنهم يطمحون إلى أكثر من ذلك.
إن هذا كله يدعو إلى تبني بعض الطرق الجديدة للعمل. وعلينا أن نبذل المزيد للاعتراف بأن شركاءنا متنوعون جداً، ليس فقط من ناحية الاختلاف بين الشرق والجنوب، بل أيضاً على صعيد التنوع الموجود ما بين الدول داخل الجنوب وداخل الشرق.
يقودني هذا إلى النقطة الثانية، ألا وهي الملكية. إذ إننا لن نحصل أبداً على أفضل ما يمكن أن تحققه هذه السياسة ما لم تصبح شراكة يختارها الجانبان بطريقة فاعلة؛ شراكة ندية. فيجب أن تعكس سياسة الجوار الأوروبي الجديدة وجهات نظر شركائنا وخبراتهم. وأعتقد أنه من أجل تحقيق ملكية أكبر بين شركائنا، يود المواطنون رؤية نتائج في فترة زمنية أقصر، لمعرفة ما إذا كانت هذه السياسة قد آتت أُكُلَها.
بذلك، تأتي النقطة الثالثة، وهي التركيز. وأريد أن نبتعد عن النموذج الحالي الذي نحاول فيه تغطية مجموعة واسعة جداً من القطاعات مع كل شريك. وبالنسبة للشركاء الذين يريدون ذلك، علينا أن نواصل تطبيق تعاون واسع النطاق، نساعد به البلد المعني على التواؤم مع معايير الاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة للدول الأخرى، فدعونا نركز على عدد أقل من القطاعات.
كانت مجالات التجارة والتنقل نقاط تركيز تقليدية. إلا أنني أود هنا أن ننظر في بعض المجالات التي أهملت حتى الآن، كالطاقة على سبيل المثال؛ أمن الطاقة لدينا ولدى شركائنا. وكذلك المخاطر التي تهدد الأمن ابتداء، من الجريمة المنظمة وصولاً إلى النزاعات المجمدة.
أخيراً، نحن بحاجة إلى أن نكون أكثر مرونة. وهذا يعني القدرة على الاستجابة للظروف المتغيرة والأزمات، بحيث نكيِّف أولوياتنا، وتنفيذ تلك الأولويات وفقاً للظروف الجديدة عند ظهورها.
ولتوضيح الأمور أكثر وجعلها أكثر شفافية، فقد نشرنا ورقة التشاور التي هي الآن على موقع البعثة. ونحن عازمون على إجراء مشاورات على أوسع النطاقات، لتصميم سياسة تصلح فعلياً للغرض المرجو منها.
يسأل بعض الناس عما إذا كان كل هذا الحديث عن السعي إلى تحقيق المصالح يعني أننا نتخلى عن قيمنا. والجواب، بكل وضوح: لا. إن تعزيز الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، هي سمات مميزة للاتحاد الأوروبي.
ومن وجهة نظري، فإنني أرى أن قيم الاتحاد الأوروبي الراسخة تصب أيضاً في مصلحة الأردن الخاصة، وأضرب لكم هنا مثالاً: إن تطبيق سيادة القانون بمساواة، هو أمر رئيس لجذب الاستثمار الخارجي. فوجود نظام قضائي مستقل، تكون العدالة فيه خالية من الفساد، ليس أمراً ذا قيمة بحد ذاته فحسب، بل هو أيضاً عامل أساسي في التنمية الاقتصادية للبلد، لا غنى عنه لخلق بيئة محفزة للنمو.
لقد قطعنا شوطاً طويلاً من التقدم في علاقتنا الثنائية مع الأردن. وعندما أفكر في التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة، أؤمن أن كل واحد منا يجب أن يلقي المزيد من الاهتمام على التأثير الإيجابي الذي تجلبه مثل هذه العلاقة على الحياة اليومية. وإن تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والأردن، سياسياً واقتصادياً، هو أمر يصب في المصلحة والفائدة المشتركة لهما. وإن المملكة التي تتمتع بالوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي منذ العام 2010، قد أبرمت عدة اتفاقيات؛ مثل الشراكة في مجال التنقل، والتي تهدف إلى تسهيل تنقل المواطنين وزياراتهم لدول الاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى هذا، يواصل الأردن والاتحاد الأوروبي تعزيز حوار السياسات في مختلف القطاعات والقضايا، ومن ضمنها حقوق الإنسان والمشاركة مع المجتمع المدني.
أما من ناحية المخصصات المالية طوال الفترة ما بين 2007 و2013، فقد تم مبدئياً تخصيص ما مجموعه 488 مليون يورو للمملكة. ومن أجل دعم تنفيذ الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الرئيسة، قدم الاتحاد الأوروبي مبلغا إضافيا قدره 100 مليون يورو خلال الفترة ما بين  2012 و2013، وقرر أيضاً في العام 2014 توفير حزمة مساعدة مالية كلية بقيمة 180 مليون يورو. كما دعم الاتحاد الأوروبي الأردن أيضاً في تعامله مع تأثيرات الأزمة السورية؛ فقدم حتى الآن أكثر من 320 مليون يورو منذ العام 2011، من خلال أدوات المساعدة الإنسانية والاستجابة للأزمات والتنمية. كما تستفيد المملكة من مشاريع العمل الخارجي في ظل العديد من برامج الاتحاد الأوروبي الداخلية، ومنها برنامج "ايراسموس+" الذي يعزز التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال التعليم العالي، وبرنامج الاتحاد الأوروبي للأبحاث المسمى "أفق 2020". وبالإضافة إلى هذا كله، يتمتع الأردن بإمكانية الاستفادة من مجموعة واسعة من البرامج الأخرى للاتحاد، مثل برامج الجوار الإقليمية، وآلية الشراكة والأداة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان.
يظل الاتحاد الأوروبي ملتزم التزاماً عميقاً بمساعدة المملكة في استجابتها للتحديات الداخلية والخارجية، لأنه يدرك دورها الحيوي في المنطقة. وإن زيارات جلالة الملك عبدالله الثاني العديدة إلى البرلمان الأوروبي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى، إنما تعكس قوة الشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي. وقد جاء هذا ظاهراً في تصريحات جلالته أمام البرلمان الأوروبي في بداية هذا الشهر، مشدداً على العلاقة التاريخية للمملكة مع أوروبا، وموضحاً المصالح المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والأردن.
ليس هنالك أدنى شك في أن أمننا الحالي والمستقبلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأوضاع في المنطقة عموماً. وإن استثمار العلاقة التي تربطنا مع السلطات الأردنية والشعب الأردني سيجعل بلداننا كافة أكثر أمناً ورخاءً، ويجعلها مكاناً أفضل للعيش.

* سفيرة الاتحاد الأوروبي في الأردن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Bonjour (Gaforland)

    السبت 28 آذار / مارس 2015.
    سيدتي المحترمة ممثلة الاتحاد الاروروبي في الاردن،
    نعم يسير الاردن و الاتحاد الاروروبي خطوات واثقة نحو تعزيز التعاون ما بين طرفين على قدم المساواة في الوزن . من ناحية اخرى نحن في هذه المنطقة من العالم نحتاج الى شريك ذو فاعلية بالشأن السياسي على المستوى الدولي - و للاسف فان اوروبا لا زالت للان تحتاج الى العمل اكثر في هذا المجال. و تأثير اوروبا في النزاع العربي الاسرائيلي خير دليل على هذا القصور.
    اما فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي و الثقافي و التقني ، فهذه دعوة لتوجيه اكثر للجهود الاوروبية نحو المحافظات و الشباب هناك، فهو مفتاح حلول الكثير من المشاكل الموجودة في الاردن. اضافة اخيرة، نتمنى التركيز على التوعية البيئية في الاردن لانعدام هذا الموضوع هنا. و بخاصة لدى طلبة المدارس . و شكراً