إبراهيم غرايبة

بحثا عن الأمان المفقود

تم نشره في الجمعة 27 آذار / مارس 2015. 12:07 صباحاً

في أغنية ‫مكادي النحاس "‫تع نسهر"، نموذج للشعر والموسيقى، يعلمنا كيف نعيش حياتنا كما نرى أنفسنا ببساطة ووضوح؛ كما نموذج للفن الذي يؤدي وظيفته الأساسية بالاستجابة الملائمة لتحسين الحياة والموارد، واستلهام واستيداع أسمى الأفكار، أو التمدن الأردني السوري المتوسطي: السهر في ليالي الصيف على أسطح البيوت، وتكرار عرض الأخبار وتبادلها؛ "مرة كنا وما جيت وجيت مرة وما كنا".
لماذا نتغنى في مجالسنا وفي شبكات التواصل الاجتماعي بزمن الكدّ "الجميل" وحياته الرائعة، ونتمنى استعادته، ونحن نعلم أننا لن نقبل بالعودة إليه، وفي الوقت نفسه لا نريد أن نرى فرص الجمال والدفء في حياتنا المدينية التي نعيشها ونتمسك بها؟
هذا الانفصال بين ما نتغنى به ونرفضه واقعيا، وبين ما نعيشه ونذمه في الوقت نفسه، لا يؤدي فقط إلى الشعور بالتعاسة؛ فهذا أقل أضراره، إنما هو يحول دون أن نطور حياة مدينية جميلة ودافئة، نستمتع بها من غير عذاب الضمير غير المطلوب أبدا. فالإنسان يطور حياته دائما ويسعى إلى التمدن، ولا معنى لاستذكار الماضي سوى أن يساعدنا في تحسين حياتنا. المذراة التي نضعها في بيوتنا مثل لوحة فنية جميلة ومقدسة، لم تكن بالنسبة لأصحابها الحقيقيين سوى أداة للعمل والإنتاج، مثل المفكّ أو سماعة الطبيب، وسوف تتحول سماعة الطبيب أيضا إلى أيقونة وذاكرة تاريخية.
وتتصاعد متوالية الانفصال. ففي تشوه المدن، تتشوه السياسة والإدارة العامة أيضا. سنرى المشهد نفسه أكثر تعقيدا وفسادا؛ البكاء لأجل مُثل بعيدة ومستحيلة، وفي الوقت نفسه المشاركة في سياسات واتجاهات أخرى مختلفة، ويكون ذلك مؤهلا ضروريا لا واعيا للمدن والحكومات والمعارضات والأسواق. فالأكثر ملاءمة لتنفيذ السياسات الحكومية أو المشاركة فيها أو التحالف معها، هم القادرون على التعاطف الصادق، ولكن تعاطف فقط مع اتجاهات ومشروعات ومواقف مختلفة أو مناقضة للسياسات الحكومية أو معزولة عنها. أولئك القادرون على البكاء، فقط البكاء، لأجل حالة تحاربها الحكومة، وفي الوقت نفسه يتحالفون مع الحكومة في حربها، يمثلون نموذجا فريدا آمنا للحكومات. وبالمناسبة، فإن هؤلاء ليسوا نادرين في مجتمعاتنا، ويجب الاعتراف بأنهم يملكون طاقة خارقة للعمل المناقض لضمائرهم، ولكنهم في بكائهم واعتذارهم لا يريحون ضمائرهم فقط، ولكنهم يطمئنون الطبقة المهيمنة على النفوذ والموارد. هذا النموذج المتوقع أو المحسوب، يقابله نموذج مزعج من غير المتوقعين وغير الآمنين. وعلى عكس ما يبدو أو يظن للوهلة الأولى، فإن هؤلاء الذين لا يظهرون تعاطفا مع الحالة التي تواجهها النخب المهيمنة أو يظهرون تأييدا كبيرا وتنظيرا مقنعا للحالة التي تؤيدها، يمثلون عبئا مزعجا؛ فهم إن كانوا يمثلون لن يكونوا قادرين على الاستمرار؛ سوف ينهارون أو يتراجعون في لحظة ما. أما إن كانوا جادين، فهم أيضا مزعجون.. لا تحب النخب المهيمنة أحدا متحمسا لقضيتها ومعاركها أكثر منها.

التعليق