حدود الخلاف الأميركي-الإسرائيلي

تم نشره في السبت 28 آذار / مارس 2015. 12:03 صباحاً

لا يمكن تجاهل وجود خلاف ملموس بين الإدارة الأميركية وبنيامين نتنياهو، جاهر به الرئيس باراك أوباما خلال الأيام الأخيرة مرارا. إلا أن الخلاف الذي أظهره نتنياهو، بداية، وكأنه يدور حول المشروع النووي الإيراني، بات يأخذ طابعا حزبيا على الجانبين الإسرائيلي والأميركي. ويُطرح السؤال: ما هي حدود انعكاسات هذا الخلاف على العلاقات الاستراتيجية بين الجانبين؟ وهل بالإمكان توقع تغيير جوهري في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل؟
ليست هي المرّة الأولى التي يبادر فيها نتنياهو إلى خلاف مع الإدارة الأميركية، بل هذا ما فعله في فترة ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون، على خلفية سير العملية التفاوضية مع الجانب الفلسطيني؛ وهذا ما فعله في ثلاث جولات على الأقل في فترة أوباما؛ على خلفية المفاوضات، ولكن بالأساس حول شكل التعامل مع ما يسمى "الملف الإيراني". والرابط بين كلينتون وأوباما، أنهما من الحزب الديمقراطي، وأنه في كل تلك الجولات كان نتنياهو يبرز علاقته الوثيقة بالحزب الجمهوري، كطرف داعم له في خلافاته مع البيت الأبيض، في فترة رئاسة الحزب الديمقراطي.
بمنظورنا نحن، لا نرى اختلافا جوهريا بين الحزبين الأميركيين؛ الجمهوري والديمقراطي، في كل ما يتعلق بالسياسة تجاه إسرائيل. إلا أن اليمين الإسرائيلي المتشدد، يرى أن خطاب الحزب الجمهوري أكثر وضوحا وتشددا، دعما للسياسة الإسرائيلية، ما يخلق للحكومة الإسرائيلية أجواء مريحة أكثر في التحرك على الساحة الدولية، وخاصة في مواجهة السياسات الأوروبية التي وإن كانت محدودة، إلا أنها تشوش الأهداف الإسرائيلية، من مثل محاولات إسقاط القضية الفلسطينية عن رأس اهتمامات الحلبة الدولية.
وما من شك في أن وراء كل هذا مصالح اقتصادية كبرى. إذ يرى اليمين الإسرائيلي المتشدد، أن طابع الاهتمامات الاقتصادية في الشرق الأوسط، لكبار المستثمرين الأميركيين المقربين من الحزب الجمهوري، تجعلهم يرون في إسرائيل أهمية استراتيجية أكثر من غيرهم. ويتم تغليف هذا، أيضا، بديباجات دينية للتيار المسيحي المتشدد، أو بالأصح المتصهين، في الولايات المتحدة.
ونرى في تفاصيل المشهد الحاصل، أن الداعم المالي الأساس لنتنياهو، الأميركي اليهودي شلدون إدلسون، الذي يصدر صحيفة "يسرائيل هيوم" المجانية، والمُجنّدة كليا لشخص نتنياهو، هو من أكبر الداعمين، إن لم يكن الداعم المالي الأكبر للحزب الجمهوري، كما تجلى الأمر في الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، بشكل خاص.
وما يثير غضب إدارة أوباما، هو أن نتنياهو يتلاعب في القضايا الأمنية والمصالح الاستراتيجية العليا الأميركية، بتنسيق مع ممثلي الحزب الجمهوري في الكونغرس ومجلس الشيوخ خصوصاً، خدمة لمصالحه الحزبية، ما ينعكس سلبا أيضا على مكانة وهيبة الحزب الديمقراطي، الذي سيشرع بعد بضعة أشهر بحملة الانتخابات الداخلية التمهيدية للانتخابات الرئاسية التي ستجرى خريف 2016.
لربما نشهد لاحقا، خاصة بعد تشكيل حكومة نتنياهو الجديدة، حراكا أميركيا قد يبدو "مثيرا"، يتضمن ضغوطا على نتنياهو لدفعه نحو طاولة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. لكن من الضروري أن لا يسرح الخيال كثيرا في هذه القضية، لأن مستوى الخلاف القائم لا علاقة له إطلاقا بعمق المصالح الاستراتيجية، ولن يصل إلى حد انقلاب حقيقي في التوجهات الأميركية تجاه إسرائيل، لأن هذه التوجهات/ السياسات يتم تحديدها في هيئات عليا، تفرض نفسها في وقت الضرورة، على رأسي هرمي الحُكمين.
نحن أمام حقيقة أن ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة هو ارتباط مصيري. وهذا ليس لأن إسرائيل تتلقى سنويا ما يزيد على 3.2 مليار دولار، دعما عسكريا مباشرا من واشنطن، بل أيضا، لأن الولايات المتحدة مستورد مركزي للبضائع الإسرائيلية، ومن دون قيود سياسية. بمعنى أن واشنطن لا تتحفظ على بضائع المستوطنات، كما هو معلن في أوروبا. فالولايات المتحدة تستورد بالمعدل 30 % من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، مقابل حوالي 40 % أخرى تتجه إلى أوروبا.
رغم كل هذا، فإن اليمين الإسرائيلي المتشدد يعرف تماما أن هذا الرابط تحكمه مصالح استراتيجية عليا. وأن له في واشنطن "حرسا" لا يُهادن: اللوبي الصهيوني الأضخم وداعموه؛ فهو أيضا، ممول أساسي للحملات الانتخابية للحزبين الأميركيين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخلاف شكلي فقط (هاني سعيد)

    الثلاثاء 31 آذار / مارس 2015.
    لا يمكن ان بكون هناك خلاف ببن الكيان الصهبوني وامريكا الام الرؤوم لهذا الكيان الذي يعيثط فسارا في الوطن العربي ومنز متى يجرؤ رؤساء امريكا على ذلك انها مسرحية فقط