تحليل اقتصادي

لحظة فارقة في الاستجابة للأزمة السورية: زخم جديد لا بد من اغتنامه

تم نشره في الثلاثاء 31 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

بقلم: سيما بَحوث*

ها نحن على أعتاب السنة الخامسة منذ اشتعال فتيل الأزمة في سورية، دون أن تلوح لها نهاية في الأفق؛ حيث يهدد انعدام الاستقرار البلدان المجاورة، بل والمنطقة بأسرها.
وما يزال التوصل إلى حل سياسي قادر على وضع نهاية لهذه الأزمة غير المسبوقة شيئاً بعيد المنال.
فحتى الآن تضرر أكثر من 12 مليون شخص أيّما ضرر من هذه الأزمة، ودُمرت البيوت وهُدّمت المستشفيات والمدارس وتلاشت الوظائف وسبل كسب العيش.
وتظهر البيانات الخاصة بسورية أن عجلة التنمية عادت إلى الوراء أربعة عقود، وأن الفقر يسود الآن بين 75 % من السكان، وأن هناك 4.4 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع.
كما أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلدان المجاورة آخذ في التدهور يوماً بعد يوم.
لقد تسبب الصراع في أكبر نزوح للسكان في الآونة الحديثة؛ حيث فر 3.8 مليون شخص إلى البلدان المجاورة لسورية، ما زاد من الضغوط على المجتمعات المحلية المضيفة وعلى أنظمة تقديم الخدمات الوطنية وعلى العلاقات الاجتماعية بما يفوق قدرة تلك البلدان على الاحتمال.
تحديات تواجه نُهج الاستجابة التقليدية
فيما تتواصل هذه الأزمة، فإنها لا تتحدى نهج فض المنازعات التقليدية والاستجابات الإنسانية فحسب، بل تتحدى أيضاً الآليات المعتادة للاستجابة من خلال المعونات.
فقد تجاوزت الأزمة النطاق الإنساني النمطي المتمثل في توفير الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية للنازحين داخل سورية واللاجئين للبلدان المجاورة، وصارت الآن تشمل مجموعة معقدة من القضايا الأمنية والإنمائية.
وفي ظل وجود ما يقرب من 8 ملايين نازح داخلياً في سورية وعيش 85 % من اللاجئين في البلدان المجاورة لسورية في أحضان المجتمعات المحلية الأشد فقراً وضعفاً، أضحى التنافس على فرص العمل والإسكان والأرض والمياه والأساسيات الأخرى يؤجج التوتر بين السكان المحليين واللاجئين، وهو ما ينطوي على عواقب مدمرة لكافة الأطراف.
وباستطاعة المجتمع الدولي أن يساعد المجتمعات المحلية داخل سورية بتوسيع نطاق الاستجابة لمساندة سبل كسب العيش وتقديم الخدمات الأساسية للأفراد الأشد ضعفاً، كما يمكنه إبداء قدر أكبر من التضامن مع البلدان المجاورة بمساعدتها على حماية استقرارها والحفاظ عليه وتعزيز اقتصاداتها ورفع مستوى بنيتها التحتية وتحسين خدماتها العامة لتلبية حاجات سكانها فضلاً عن حاجات ذوي الحاجة من اللاجئين الذين تستضيفهم.
الاستجابة الدولية تحول استراتيجي
في هذا السياق المليء بالتحديات، وبالتعاون مع البلدان المتضررة، أطلق المجتمع الدولي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي في برلين جيل جديد من خطط الاستجابة للتصدي للأزمة السورية في أوسع وأعمق تجلياتها، شمل خطة الاستجابة الاستراتيجية في سورية 2015 والخطة الإقليمية للاجئين ولتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات 2015-2016، وذلك تحت القيادة المشتركة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تجسر هاتان الخطتان معاً الفجوات التقليدية الكائنة بين المساعدات الإنسانية والمساعدات الموجهة للاجئين والمساعدات الإنمائية، وهو ما يمثل التحول الاستراتيجي المطلوب من أجل استجابة شاملة وفعالة، ليس داخل سورية فحسب، بل بما يشمل أيضاً المنطقة الإقليمية المتضررة من الأزمة بأسرها، وهي سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى العالم.
وتسعى خطة الاستجابة الاستراتيجية في سورية 2015 إلى جمع ما قيمته 2.9 مليار دولار لتوفير الدعم الإنساني الضروري لأكثر من 12 مليون شخص. وبمقدور هذه الخطة، إذا حظيت بالمساندة الكاملة، أن تساهم في إحلال مزيد من الاستقرار في أجزاء من سورية وقد تخفّض بدرجة كبيرة تدفقات اللاجئين الذين يتواصل فرارهم منها.
وأما الخطة الإقليمية للاجئين ولتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات 2015 - 2016 فتمثل ابتكاراً في أسلوب استجابة المجتمع الدولي للحاجات الإنسانية العاجلة بالتوازي مع وضع الأساس لحلول إنمائية أشمل وأكثر استدامة وأقدر على الصمود وأكثر فعالية من حيث التكلفة، وهو تحوّل مبشّر في النهج. وإذ تتأسس هذه الخطة على أولويات البلدان المعنية، فهي تفصّل خططاً تتمتع بالملكية والتوجيه الوطنيين الكاملين وتعتمد على أكثر من مائتي شريك من كافة المنطقة.  ويتطلب تنفيذ الخطة الإقليمية للاجئين ولتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات 2015 - 2016 ما قيمته5.5 مليار دولار للتصدي لآثار الأزمة في تلك البلدان، سيخصَّص ثلثها لمساندة جهود التنمية وبناء القدرة على مواجهة الأزمات.
مؤتمر الكويت الدولي للمانحين من أجل سوريا: فرصة لاستجابة متماسكة وشاملة
في هذا اليوم الموافق لـ 31 آذار (مارس) 2015 تجدد دولة الكويت استضافتها الكريمة للمؤتمر الدولي الثالث للمانحين من أجل سوريا للمساعدة على تمويل أكبر نداء تطلقه الأمم المتحدة في تاريخها بشأن أزمة منفردة.
وتستدعي الاستجابة الشاملة الجديدة من كافة الأطراف الدواية المعنية التي تعرض المساندة من خلال مؤتمر الكويت الدولي الثالث إلى إعادة النظر في منهجيات مساعداتها، لتنسيق جهود وزاراتها المختصة بالشؤون الإنسانية والإنمائية والأمنية والخارجية، فضلاً عن المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى العمل على تنفيذ أجندة بناء القدرة على مواجهة الأزمات بما يعود بالنفع على الجميع.
فعلى سبيل المثال، تحقق الخطة الإقليمية للاجئين ولتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات 2015 - 2016 مستويات عالية من الدمج بين التخطيط الإنساني والانمائي بهدف التغلب على الفجوة القائمة بين نهج المعونات الإنسانية والانمائية.
ولن ينجح هذا الدمج الهادف إلى بناء القدرة على مواجهة الأزمات بشكل مستدام إلا إذا حولت الجهات المانحة نهجها للمسار ذاته وواءمت بدرجة كبيرة مخصصاتها الإنسانية والإنمائية، إن لم تدمجها تماماً.
ويفرض هذا النموذج الجديد تنسيقاً حقيقياً في استخدام الموارد الإنسانية والانمائية لمساندة أولويات النداءين معاً، يتطلب بدوره تحسيناً في التدابير القائمة لتقديم المعونات وإدارة تدفقاتها على المستوى القطري.
 كما سيعزز التنسيق الكامل مع خطط الاستجابة الوطنية فرص التنسيق بين الجهات المانحة ومخصصات الموازنات وبخاصة من خلال إنشاء أنظمة موثوقة للتتبع المالي ولرفع التقارير حول النتائج.
خلال عام 2014، تلقت كافة نداءات الأمم المتحدة ما يزيد قليلاً على 50 % من التمويل المطلوب، وتخطت الحاجة إلى المعونات بشكل مطرد القدر المتاح من مساهمات المانحين.
وفي إطار تناقص المعونات الإنسانية الدولية. فإن المتضررين من جراء الأزمات حول العالم يحتاجون منا اليوم إلى إزالة مقاربات تصنيف وتجزئة التمويل والاستفادة الكاملة من كافة خيارات التمويل الثنائية ومتعددة الأطراف سعياً إلى تحقيق السلام والأمن.
لقد قطعنا شوطاً بعيداً منذ آخر نداء للتمويل، فلنجعل العام 2015 عاماً مشهوداً يحدث تغيّرات ملموسة في استجابتنا الأزمة السورية على جبهات عدة. ويوفر مؤتمر الكويت الدولي الثالث للمانحين من أجل سوريا فرصة مهمة لذلك، فدعونا لا ندّخر جهداً في اغتنام الزخم الذي يوفره.

*سيما بحوث هي الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي

التعليق