"كذبة نيسان" تجدد المقالب.. ودعوة لتخفيف "العيار"

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً

منى أبوحمور

عمان- ينتظر الثلاثيني هشام الحسيني اليوم الأول من نيسان (إبريل) من كل عام ليحيك قصة جديدة يمازح فيها عائلته وأصدقاءه فيما بات يعرف بكذبة نيسان.
يقول الحسيني “أحاول في كل سنة أن أخلق جوا من المرح والسعادة لمن حولي بما أختلقه من أكاذيب وقصص”، لافتا إلى أنه يستغل هذه المناسبة ليكسر روتين وإيقاع الحياة التي نعيشها عموما، غير أنه يحرص على ألا تتسبب أكاذيبه بأي أذى نفسي لأي أحد وإنما يكتفي بالممازحات التي تضر الآخرين.
الأمر ذاته يحدث مع العشرينية لينا الحياري التي لا تفوت هذه المناسبة بدون أن تعمل مقالب بأخواتها وصديقاتها في الجامعة، فبين المرض والرسوب وحالات الاكتئاب التي تبدع في تمثيلها يقع من حولها في فخها كل عام.
“المضحك في الموضوع أن لا أحد يكشفني أو حتى يربط هذا اليوم بما أقول”، واصفة جو المرح الذي تضفيه على من حولها في هذا اليوم خصوصا بعد أن تنهي مقلبها بمقولة “ضحكت عليكم كذبة نيسان”.
غير أن الحال مختلفة مع العشريني محمد، الذي لم يكن يعتقد أن كذبة نيسان التي مازح بها أهله ستتسبب لوالدته بجلطة تدخلها العناية المركزة لمدة عشرة أيام!
أتقن محمد كذبته عندما دخل إلى المنزل وهو يهاتف صديقه متجهما وغاضبا يشتم الجامعة تارة وحظه السيئ تارة أخرى، ومن ثم صدم والدته بخبر رسوبه بمادتين، وبأنه لن يتمكن من التخرج والانتظار فصلا جديدا في الجامعة.
محمد الذي لم يتمكن من التخرج مع طلاب دفعته بسبب تدني معدله التراكمي في المرة الأولى، عبر عن فرحته بتجاوز هذا الأمر من خلال “سحب مقلب”، على والديه بأنه لم يتمكن من التخرج أيضا!
“لم أكن أعلم أن تخرجي أمر في غاية الأهمية بالنسبة لأمي”، خصوصا وأنها تعلم أن دراسته صعبة وكثير من الطلبة يتعرضون لهذا الموقف، وهو ما جعله يندم على ما أقدم عليه من مقلب “دسم” وفق وصفه، ولم يعد يكرر هذه المقالب في حياته.
الأربعيني علي الحموري تعرض قبل أعوام عدة لإحراج كبير بسبب مقلب كذبة نيسان الذي انطلى عليه من قبل أخيه، إلا أن هذه الكذبة وبمحض الصدفة انطلت أيضا على أصدقاء علي كافة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.
الحموري الذي صدق الخبر الذي نقله إليه أخوه بوفاة أربعة وزراء في حادث سير في وادي الموجب وشاركه مع أصدقائه عبر “فيسبوك” سبب له الكثير من الحرج والانتقادات، لاسيما بعد أن علم أنها كذبة نيسان.
بدوره، يشير اختصاصي علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين خزاعي، إلى أن كذبة نيسان هي “خدعة ومزحة” تمارس في مطلع شهر نيسان من كل عام، وهي موروث ثقافي وشعبي وتقليد أعمى تناقله الأبناء عن الأجداد، معتبرا إياه من المسلمات وبدون أن يخضع هذا السلوك الاجتماعي إلى الرفض وعدم القبول وخاصة أن الكذب قيمة اجتماعية مرفوضة ومنفرة في المجتمع.
وحذر خزاعي أفراد المجتمع من المبالغة في هذا المزح أو الكذب الأبيض في هذا اليوم أو زيادة “العيار” في المزاح والخداع مع الأصدقاء أو الأقارب أو الجيران أو في بيئة العمل والبعد كل البعد عن المزاح المحزن أو الذي يسبب الأرق والقلق والألم مثل الإبلاغ عن مريض أو وفاة أو حادث سير أو إصابة محزنة، وفي هذا الصدد، يقول خزاعي “بما أنه موروث اجتماعي وثقافي ولا نستطيع التخلص منه بسهولة تبادلوا المزاح بأخبار سارة ومفرحة ينتظرها الجميع مثل؛ زواج، إنجاب مواليد، ترفيع، ترقيه، بعثة دراسية، شراء بيت أو شراء سيارة، دعوة عزومة على غداء أو عشاء”.
وعن سبب تصديق الناس لهذا الكذب في هذا اليوم، يقول الخزاعي “إن انشغال الناس في أمور الحياة الكثيرة ومطالبها التي تعقدت، كان سببا في نسيان الناس عد الأيام أو الأشهر أو الساعات، كما أن الأصدقاء الذين يمارسون المزاح أو الكذب في هذا اليوم مع أصدقائهم يعرفون جيدا ماذا ينتظر كل واحد منهم أو ما هي طموحاته، لذا يبادرون الى إبلاغهم عن أشياء ينتظرها كل واحد منهم لهذا ينجح “المزيحة” بتمرير مزحاتهم الى أصدقائهم الذين يستقبلون الكذبة بفرح وسرور وبهجة وينسون أن الموضوع كله “خدعة نيسان” أو مزحة من صديقهم لتبدأ بعدها سلسلة المعاتبات جراء هذه الخدعة”.
ويؤكد خزاعي ضرورة تجنب المزاح في هذا اليوم مع “كبار السن، أو المرضى أو الأصدقاء المعروفين بالعصبية والنرفزة السريعة أو سليطي اللسان” الذين يطلقون الكلام الجارح “لأننا نخشى ردة فعل هذه الفئة من الناس، لهذا يجب البعد كل البعد عن هذا النوع من الكذب، لأن الكذب هو كذب وحباله قصيرة.
ويحذر الخزاعي من استخدام التكنولوجيا و”المسجات” والرسائل الإلكترونية في هذا اليوم وخاصة الرسالة مجهولة المصدر، وخاصة أن هذا اليوم يُحتفل به في دول العالم كافة من السند والهند الى أوروبا وشرق آسيا وأميركا وروسيا والشرق والوطن العربي، وبما أن العالم أصبح عبارة عن “كبسة زر صغيرة فنحذر أن يتم التواصل العالمي في هذا اليوم عن طريق الكذب”.
الكذب هو كذب مهما كان نوعه أو وقته، في رأي اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة، الذي يؤكد أن الكذب يلحق أذى كبيرا بنفسية من يسمعه، واصفا من يطلقون “كذبة نيسان” بـ”عديمي المسؤولية ومستهترين ويندفعون إلى الكذب بدون الشعور بقيمة ما يقومون به أو التفكير بعواقبه”.
ويرى مطارنة أن المداعبة يجب ألا تتجاوز حدود الشيء المضحك، وأن الكذبات الكبيرة تتسبب في كثير من الأحيان في فقدان أشخاص، رافضا اعتبار “كذبة نيسان” مزاحا، لأنها تجاوزت حدود المداعبة. ويقول “لابد من إعادة النظر في هذا النوع من الكذب الذي يسبب الإزعاج والألم للآخرين، فمدخلات كذبة نيسان وعمقها النفسي سيئ جدا، لأن النقاء والصفاء يتضاربان مع الأمل”.
والكذب غير المحسوبة عواقبه، وفق مطارنة، يتم من “شخصية متهورة لا تقدر أولوياتها ومسؤولياتها تجاه المجتمع ومن حوله”، مؤكدا أن الكذب عملية “إسقاطية تؤثر على الآخرين وتسبب كوارث أسرية ونفسية”.
وهذا ما يذهب إليه مطارنة؛ إذ يلفت إلى أن المجتمع الذي نعيش فيه لا يحتاج إلى مثل هذه الكذبات، وإنما بحاجة إلى ما يريح أعصابه ويفرح قلبه، لاسيما في زمن الحروب والجرائم والكوارث الإنسانية التي تحيط به.

[email protected]

التعليق