أميركا في صراع الشرق الأوسط الطائفي: اللعب على طرفي السياج

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً
  • علم حزب الله الشيعي اللبناني يرفرف في قرية مستعادة من "داعش" قرب تكريت - (أرشيفية)

كاتي برانين، وسيان دي نيلور – (فورين بولسي) 26/3/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بينما تأتي لمساعدة حلفائها في الشرق الأوسط، تضع الولايات المتحدة قدميها على طرفي حرب طائفية إقليمية -واحدة تحارب فيها واشنطن وتدعم في الوقت نفسه الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً.
في العراق، انضمت طائرات حربية أميركية مؤخراً إلى هجوم يعاني من الشلل ضد "الدولة الإسلامية" في تكريت. وكانت القوات الأمنية العراقية قد بدأت المعركة في البداية بمساعدة قادة إيرانيين والآلاف من رجال الميليشيات الشيعية -والذين قاتل العديد منهم بدعم عسكري واستخباراتي مقدم من طهران. وتقول الولايات المتحدة إنها انضمت إلى القتال بعد أن تأكدت أن الحكومة العراقية هي التي تقود المعركة، وأن معظم الميليشيات المرتبطة عن قرب بإيران قد غادرت القتال.
ومن جهة أخرى، تقدم الولايات المتحدة في اليمن دعماً استخباراتياً ولوجستياً للعربية السعودية في حملة القصف التي تنفذها ضد الثوار الشيعيين المدعومين إيرانياً، والذين أطاحوا بالحكومة السنية في صنعاء. وتركز الرياض بحرص على مهاجمة الأهداف المتصلة بإيران في اليمن، مما يعني أن من المرجح تقديم الولايات المتحدة معلومات استخبارية لتنفيذ تلك الضربات، كما يقول الخبراء.
مع الحملتين الجويتين الشرق أوسطيتين الرئيسيتين -واحدة في تحالف ضمني مع إيران، والأخرى ضدها- فإن الولايات المتحدة "تعتقد أنها تدعم في كل من الحالتين الحكومة الشرعية والمنتخبة في البلد"، كما يقول جوان كول، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة ميتشيغان.
ثم هناك سورية؛ حيث تنوي الولايات المتحدة تدريب ثوار سنيين معتدلين لقتال تنظيم "الدولة الإسلامية". ويشكل واقع رغبتهم في محاربة قوات الرئيس السوري بشار الأسد والقوات الإيرانية الداعمة له أيضاً حقيقة غير مريحة، والتي لا تبدو واشنطن مستعدة للتعامل معها.
كل هذا يحدث على خلفية المفاوضات الحساسة الجارية بين قوى العالم وبين إيران حول ضبط البرنامج النووي الإيراني. وكان المفاوضون قد أملوا في البداية التوصل إلى إطار عمل للاتفاقية في نهاية آذار (مارس)، مع تطلعهم إلى التوصل إلى اتفاقية نهائية في وقتٍ لاحقٍ من هذا الصيف. لكن المباحثات راوحت بين المد والجزر من دون ضماناتٍ بأن إيران ستوقع حتى على خطة مؤقتة هذه الأيام.
كان من الصعب أصلا فك مغاليق السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وسط شبكة معقدة من التحالفات المتنافسة. لكن هذه المتاهة كبرت في الأيام الأخيرة مع الهجوم المضاد الذي يُشن في اليمن تحت القيادة السعودية، الأمر الذي ترك المسؤولين الأميركيين في موقف صعب يوم الخميس 26 آذار (مارس) وهم يحاولون تفسير الكيفية التي ستنسجم فيها هذه التناقضات أو تبدو معقولة على المدى البعيد.
فيما يخص اليمن، قال الناطق بلسان وزارة الخارجية الأميركية، جيف راثكي، للصحفيين في واشنطن: "إننا لا ننحاز إلى جانب ضد آخر... مع فصيل سني ضد فصيل شيعي". وأضاف: "إننا نحاول تعزيز عملية حوار يمكن فيها أخذ وجهات نظر كل اليمنيين بعين الاعتبار... لكن الحوثيين هم الذين رفضوا الانخراط في ذلك الحوار".
لكنه رفض إشارة إلى أن الولايات المتحدة "ستصبح قوة إيران الجوية في العراق"، وقلل من شأن المخاوف من احتمال أن يتسرب موقف واشنطن المتبدل تجاه طهران إلى داخل المفاوضات النووية. كما تحدث وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، بإيجاز عن القلاقل التي تشهدها اليمن يوم الخميس مع وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، على هامش المفاوضات النووية المنعقدة في سويسرا، لكن راثكي رفض إعطاء أي تفصيلات عن المباحثات.
ومن جهته، قال السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، جوش إيرنست، لشبكة التلفزة الأميركية (سي. إن. إن) إنه بشكل إجمالي "توجد لدينا مخاوف مسبقاً من الخطوات التي اتخذتها إيران، ومن دعمها لممارسات تزعزع استقرار المنطقة الأوسع".
من الواضح أن لواشنطن وطهران على حد سواء مصلحة مشتركة -وغالباً متنافسة- في مساعدة بغداد على إلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية". لكن الولايات المتحدة بذلت جهوداً كبيرة في سبيل تفادي قيام عمليات عسكرية، والتي تفضي في نهاية المطاف إلى دعم القوات المدعومة إيرانياً. وكان هذا واحداً من الأسباب التي تفسر امتناع الولايات المتحدة عن توجيه الضربات الجوية في تكريت لأربعة أسابيع تقريباً، وعدم تدخلها إلا مؤخراً بعد أن تم التأكيد لها أن القوات الحكومية العراقية هي التي ستقود القتال البري.
الآن تصبح تكريت بمثابة لحظة "لقد قلت لك ذلك" المواتية بالنسبة للولايات المتحدة التي تبدي شغفاً في إظهار أن القوات العراقية سوف تنجح بمساعدتها هي -في تناقض مع جهد فاشل من جانب إيران.
وفي هذا الإطار، قال الجنرال لويد أوستن، رئيس القيادة الأميركية الوسطى، أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي: "لقد توقف الجهد الذي كان الإيرانيون يتولون رعايته". وقالت وزارة الدفاع الأميركية في وقت سابق إن القوات العراقية، بما فيها الميليشيات، قد طوقت تكريت لكنها لم تتمكن من طرد جماعة "الدولة الإسلامية" من مركز المدينة.
وفي الأثناء، قال أوستن إن الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قد غادر المنطقة. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن ثلاث مجموعات من الميليشيات الشيعية الرئيسية قد انسحبت من تكريت احتجاجاً على المشاركة الأميركية. وبينما ما تزال أغلبية الميليشيات الشيعية، وقوامها نحو 20.000 رجل متواجدة في الجوار، فإن من غير الواضح ماهية الدور الذي ستلعبه بينما تستمر المعركة، فيما هي "ليست طرفاً في عمليات تطهير تكريت"، كما قال أوستن.
في اليمن، لا يرى البيت الأبيض أفقاً لاتخاذ "عمل عسكري مباشر" للمساعدة في إضعاف قدرات الثوار الحوثيين الذي سيطروا على العاصمة اليمنية، صنعاء، بمساعدة من طهران. لكن الجيش الأميركي سيقدم معلومات استخبارية ودعماً لوجستياً للعملية، بما في ذلك مصادر استخباراتية كانت تدعم القوات الأميركية في اليمن إلى أن انسحبت تلك القوات خلال عطلة نهاية الأسبوع لمسوغات أمنية.
سوف تتضمن المساعدات العسكرية الأميركية على نحو شبه مؤكد المساعدة في استهداف الأشخاص والمرافق في اليمن من المدعومين إيرانياً، لأنها أهداف تحظى بأولوية عليا لدى الرياض ودول الخليج، وفقاً لما صرح به مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية، والذي يتمتع باتصالات موثوقة مع الجيش السعودي. ومن الممكن أن تشتمل هذه الأهداف على موانئ تقوم إيران بشحن أسلحة وإمدادات قتالية أخرى إليها لصالح الحوثيين، بالإضافة إلى شركات واجهة تديرها قوة القدس.
وقال مسؤول وزارة الدفاع الأميركية الذي لم يكن مخولاً لبحث طبيعة المساعدات الأميركية بالاسم: "إنهم يشتغلون بمرايا وازدواجية، لذا يترتب عليك معرفة من هي شركاتهم التي تعمل كواجهة، وتريد معرفة من هم رجال الأعمال المزيفون"، وقال إن من المرجح "مشاركة الولايات المتحدة في كل شيء"، ومن ثم تقديم بعض المساعدات "لمساعدة الائتلاف الذي تقوده السعودية في مهاجمة الأهداف ذات الصلات الإيرانية".
ثمة ميناء قد يستهدفه السعوديون، هو ميناء موخا الواقع على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر بالقرب من الأرض الأم للحوثيين. وما يزال الإيرانيون يشحنون إمدادات للحوثيين من خلال موخا، وفق ما قاله كريس هارمر، الخبير في الاستراتيجية البحرية في الشرق الأوسط في معهد دراسات الحرب في واشنطن.
تحتفظ وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) بقاعدة واحدة على الأقل للطائرات من دون طيار في العربية السعودية، بينما يطير الجيش الأميركي طائرات استخبارات ومراقبة واستطلاع بطيار أو من دون طيار انطلاقاً من جيبوتي. ووفق مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية، فإن من المتوقع أن تكون القاعدتان مشغولتين في إرسال طائرات فوق اليمن في قادم الأيام.
بالإضافة إلى ذلك، وبينما تحتفظ العربية السعودية بشبكة واسعة من الجواسيس في اليمن، فإنها قد تستفيد راهناً من تاريخ الولايات المتحدة في التجسس على الأرض. ورغم أن سحب كل القوات الأميركية من اليمن يعقد الجهود الأميركية في إدارة عمليات استخباراتية بشرية في البلد، فإن "خطوط الهاتف ليست ميتة"، كما قال مسؤول وزارة الدفاع.
وفي الأثناء، من المرجح أن يشتمل الدعم اللوجستي الذي تعهدت به الولايات المتحدة على إعادة إمداد سريعة بقطع غيار وذخائر دقيقة التوجيه، فيما يستهلك السعوديون وحلفاؤهم من مجلس التعاون الخليجي إمداداتهم منها، وفق هارمر.
وقال هارمر إن احتمال اندلاع حرب سعودية إيرانية في اليمن، في الوقت الذي ستكون فيه "مأساة إنسانية"، سوف يشكل صراعاً "مذهلاً" بين فيلق القدس المكون من "مقاتلي شوارع"، وبين الجيش السعودي المجهز بأحدث الآليات، لكنه يفتقر إلى الخبرة القتالية.
وخلص هارمر إلى القول: "إن الإيرانيين ما يزالون يقاتلون منذ 25 عاماً. وهم مستعدون بكفاءة لهذه الحرب، بينما السعوديون ليسوا كذلك".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Playing Both Sides of the Fence

التعليق