تحليل اقتصادي

تنظيم المدارس الخاصة.. ضرورة مجتمعية وتنموية

تم نشره في السبت 4 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً
  • طفل ينظر من خلف نافذة إحدى حافلات المدارس الخاصة-(الغد)

*د. جمال الحمصي

بعد تردد وطول انتظار؛ من المؤمل أن يصدر قريباً نظام جديد لتنظيم المؤسسات التعليمية الخاصة في الأردن؛ كتشريع أساسي يهدف الى ضبط جودة وأسعار التعليم المدرسي الخاص بما يسهم في تيسير حصول أسر الطبقة الوسطى على الخدمات التعليمية الخاصة والتعامل مع السبب الرئيسي لإغراق المدارس الحكومية بطلبة المدارس الخاصة وكذلك المحافظة على الميزة النسبية الاستراتيجية للاقتصاد الأردني في قطاع التعليم والموارد البشرية.
في الأردن؛ يسهم القطاع التعليمي الخاص بدور مهم في إنتاج الخدمات التعليمية؛ وبحسب آخر الإحصاءات التعليمية الرسمية؛ هنالك نحو 2700 مدرسة وروضة خاصة من مختلف الأحجام من أصل عدد إجمالي يقارب 6600 مدرسة وروضة في المملكة، أي ما حصته 41 % من إجمالي العدد.
وتقدم هذه المؤسسات الخاصة خدماتها التعليمية إلى عدد يقارب حالياً نصف مليون طالب (451.000 طالب حسب آخر الأرقام) وتوظف 30.000 معلم، وهذه الأرقام تؤشر الى الأهمية الخاصة للنظام الذي سيصدر وتداعياته على رفاهية مئات الآلاف من الأسر.
لكن ما هي مسوغات التدخل الحكومي في جودة وأسعار خدمات هذا القطاع؟ هل هي فقط اعتبارات العدالة وتكافؤ الفرص (وهذه كافية بحد ذاتها) أم أيضاً الكفاءة الاقتصادية والتنافسية الدولية؟ وما الجديد في نظام المؤسسات التعليمية الخاصة للعام 2015 بعد مدخلات الجهات المعنية؟ ولم تأخر إصدار هذا النظام التعليمي المهم؟ وما هي تحديات التنفيذ ومتطلباته؟ وهل ينبغي الاستعانة بتدابير وتشريعات مكملة كقانوني الاستثمار والمنافسة لتحقيق المقاصد المتوخاة من النظام الجديد؟ وكيف تمارس دول أخرى متطورة في مجال التعليم والنمو المتوازن؛ كدول شرق آسيا، سياسة التنظيم الحكومي للمدارس الخاصة؟ هذه الأسئلة يجب أن تكون الإجابة عنها حاضرة قبل إصدار النظام قيد المناقشة.
بداية، لابد من التنويه ببروز قناعة متزايدة بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لأهمية الدور الرقابي للدولة في توجيه القطاعات والأسواق الأساسية.
وهذا يتم في إطار أربعة مبادئ هي: سيادة القانون، والمتابعة والتقييم، والتعلّم من تجارب الماضي، والشراكة مع القطاعين الخاص والمدني.
وتتسم الخدمة التعليمية الخاصة بسيادة ظاهرة عدم التأكد وقلة المعلومات حول نوعية الخدمة قبل تجربة "الخدمة"، الى جانب ارتفاع "كلفة التحويل" من مدرسة لأخرى لأسباب نفسية ومعلوماتية بسبب أعمار الطلبة ورغبة الأسر في اختيار المدارس القريبة من أماكن السكن.
وتزداد القوة الاحتكارية للمدارس الخاصة، الكبيرة خصوصاً، ضمن الظروف الراهنة المتسمة بارتفاع كلفة نقل الطلبة رغم التراجع الحاد في أسعار المحروقات.
هذا يعطي مسوغاً؛ بمعيار الكفاءة؛ للتدخل الحكومي من نوع ما للرقابة على الجودة والأسعار، كتصنيف المدارس الخاصة الى فئات وتحديد حد أقصى لأقساط كل فئة.
ويمكن استثناء "المدارس الصغيرة" في المرحلة الحالية لتسهيل تطبيق مبدأ التصنيف والتسعير. كما يقترح توفير نظام معلومات جغرافي، متوفر على الانترنت ومحدث وشامل، لأولياء الأمور لدعم قرار اختيارهم للمدرسة الصغيرة الأفضل ضمن مناطقهم.
البعض من مناصري "أصولية السوق" سيعتبرون هذا التحديد السعري خطوة الى الوراء، لكن ما يتجاهله هؤلاء أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي قد تغير جوهرياً بعد تداعيات الأزمات العالمية والإقليمية.
ومع أن برنامج الإصلاح الهيكلي في المملكة قد تبنى سياسة تحرير الأسعار منذ العام 1989، لكن ما يزال هناك حتى الآن -لحسن الحظ- أمثلة مهمة على التنظيم الإداري لأسعار سلع وخدمات أساسية من خلال تشريعات نافذة؛ كالخبز والأدوية والخدمات الطبية الخاصة والنقل العام والتأمين الإلزامي للمركبات والكهرباء.
وقد تضمنت مسودة نظام المؤسسات التعليمية الخاصة وللمرة الأولى مواد تفرض على إدارات المدارس إشعار وزارة التربية قبل بدء عملية القبول والتسجيل بثلاثة أشهر بالرسوم الدراسية مفصلة والزيادة التي ستطرأ عليها.
كما يحظر على المدارس الخاصة رفع الرسوم المدرسية قبل بداية العام الدراسي الجديد.
من منظور الأسر؛ تمثل الرسوم المدرسية التي تحددها إدارات المدارس الخاصة مطلع كل عام دراسي، ومعدل زيادتها السنوية، هاجسا متكرراً، لما تشكله من حصة كبيرة من ميزانيات الأسر، خصوصاً اذا ما أضفنا لذلك تكاليف التعليم الجامعي الخاص والحكومي الموازي.
ولا شك بأن من صالح الأسر وأصحاب المدارس الخاصة الوصول الى نقطة توازن، وإلا قل الطلب على خدمات المدارس الخاصة وزاد الإقبال على المدارس الحكومية.
ومن منظور القطاع العام، فإن التعليم ليس سلعة خاصة واستثمارا تجاريا بحتا بل له العديد من خصائص السلع العامة؛ أي أن للتعليم أبعادا مجتمعية مهمة ليس أقلها دور التعليم عالي الجودة في دعم النمو الاقتصادي المستدام والتشاركي طويل الأجل، خصوصاً للدول التي تتمتع بميزة نسبية في مجال التعليم وتطمح إلى البقاء كمركز إقليمي للتعليم المتميز.
وفي ضوء مؤشرات البنك الدولي مؤخراً بتدني إنتاجية قطاع التعليم بالمقارنة مع غيره من القطاعات الرائدة المستهدفة في المملكة، فإن تحسين أداء القطاع هو بالتأكيد مصلحة عامة للجميع، بما فيها نقابة أصحاب المدارس الخاصة.
كما أن هذا النظام سيسهم جوهرياً في تخفيف الضغط المتزايد على المدارس الحكومية بشكل يفوق الطاقة الاستيعابية؛ فإجمالي أعداد الطلبة المنتقلين من المدارس الخاصة الى المدارس الحكومية قدر للعام الدراسي 2015/2014 بنحو 30 ألف طالب وطالبة بسبب ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، وهو رقم كبير ومرشح للزيادة. هذا يضاف الى مهام الوزارة في قبول الطلبة السوريين، مما سيشكل ضغطا كبيراً ومتزايداً على صفوف المدارس الحكومية، وبالتالي نوعية الخدمات التعليمية.

*خبير اقتصادي

التعليق