نضال منصور

خريطة طريق لإصلاح الإعلام في الأردن

تم نشره في الأحد 5 نيسان / أبريل 2015. 12:02 صباحاً

رغم مضي أكثر من 25 عاماً على عودة الحياة البرلمانية الديمقراطية فإن بوصلة الإعلام ما تزال تائهة، وحين نمضي خطوة في تعزيز حرية الصحافة فإننا نعود خطوتين.
عدت للعمل في الإعلام الأردني منذ ربع قرن، تعلمت خلالها الكثير وشهدت تحولات وصراعات مهمة، ولكنني رغم ذلك لم أفهم السياسات التي تحكم الإعلام إن وجدت، وتاهت عني الخطوط الحمراء والخضراء أحياناً كثيرة، وأدركت أن سقف الحريات الصحفية لا حدود ثابتة له، وأن الصحفيين والمؤسسات الإعلامية ليست اللاعب الوحيد في صناعته، وأن البيئة الحاضنة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تساهم في رفع سقف الحريات وخفضه.
وأيقنت بعد تجربتي أن استقلالية الإعلام حلم ومفصل رئيسي في تطور صناعته، يتصاحب معه الاحتراف والحرية، والأمر المؤكد أنه مسار شاق وصعب المنال، إذا أدركنا أن الإعلام ظل ساحة للتدخلات والسيطرة والاحتواء.
طوال الأشهر السبعة الماضية عكف مركز حماية وحرية الصحفيين على إنجاز دراسة ترسم بالتفصيل واقع الإعلام حتى يستطيع بعد مرحلة التشخيص أن يقدم خريطة طريق للإصلاح وآليات العمل التي يمكن أن تسهم في تطور المشهد الإعلامي الذي يواجه محنة تهدد وجوده.
هذه الدراسة التي أنجزت وحملت اسم "تحت المجهر...تشخيص واقع الإعلام في الأردن" توقفت عند مفاصل رئيسية تؤثر في الواقع الإعلامي؛ أبرزها القوانين والتشريعات، فمنذ عام 1993 وقانون المطبوعات والنشر عرضة للتغيير والتبديل الدائم، فقد كان وظل أسرع أداة تستخدمها الحكومات لضبط وتقييد الإعلام، وما ينطبق على قانون المطبوعات ينسحب على بقية التشريعات، فالدراسة وجدت ان المشرع ينطلق من فلسفة المنع والتجريم وليس الإباحة.
وبالنتيجة فإن الحل لتصبح القوانين متوائمة مع المعايير الدولية لحرية الإعلام هو التوافق مع الحكومة والبرلمان وكل أطراف المعادلة حول أولويات التغيير، خاصة أن أكثر التوصيات التي وافقت عليها الحكومة الأردنية خلال المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان في جنيف عام 2013 متعلقة بالتشريعات وضرورة إنجاز تعديلات تصون حرية الإعلام.
المفصل الثاني الذي بحثت فيه الدراسة هو السياسات الإعلامية التي يستخدم مصطلحها بشكل شائع في أوساط المسؤولين، وبعد جلسات عصف ذهني مطولة مع وزراء الإعلام السابقين، والمسؤولين في مؤسسات الإعلام الرسمي، والصحفيين وجدت الدراسة أن هذا المفهوم ملتبس ولا يوجد تعريف منضبط له يمكن الاتفاق والتوافق عليه.
فهناك من يرى أن السياسات تعبير عن منظومة القوانين والأنظمة والتعليمات، وهناك من يجدها في الاستراتيجيات والتوجهات التي وضعت للإعلام، وكثيرون يؤشرون الى التعليمات والأوامر الشفوية التي تطغى وتسود.
توقفت الدراسة تفصيلاً عند حالة الإعلام الرسمي والقوانين والأنظمة الحاكمة له، وواقعه المالي والمهني والتنظيمي، وكيف يمكن دعم خطوات حقيقية لتحويله الى إعلام عمومي على غرار تجربة الـ BBC.
ومن الملفات الشائكة التي ناقشتها الدراسة وضع التنظيم الذاتي للإعلام، والمشكلات التي تواجه هذا التنظيم الذي يلعب دوراً رئيسياً في تنظيم الجسم الإعلامي ومعالجة المخاطر والأمراض التي يمكن أن تعصف به.
الإشكالية الأساسية التي تعيق التنظيم الذاتي أحادية التمثيل النقابي بموجب القانون ومبدأ الزامية العضوية في تناقض مع الدستور والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد على طوعية الانتساب للنقابات وتعدديتها.
وفي هذا الاتجاه توقفت الدراسة عند ضرورة تأسيس مجلس شكاوى مستقل ينصف المجتمع من تجاوزات الاعلام، بعد أن أصبحت أخطاء الصحافة فزاعات تستخدم لضربه، وعرضت الدراسة نماذج لتجارب مجالس شكاوى في العالم، مشددة على أهمية أن يكون مجلس الشكاوى مستقلاً وممثلاً لكل وسائل الإعلام وقادراً على أن يكون وسيلة إنصاف وأداة رقابة مهنية على الصحافة.
"تحت المجهر" دراسة شخصت حالة الإعلام في الأردن، وربما يرى الكثيرون ممن يعايشونه أن الازمة والداء واضحة للعيان ولا تستدعي كل هذا التنظير والمعاينة، وخريطة الطريق للإصلاح معروفة، وكل ما نحتاجه هو الارادة السياسية النافذة التي ترى في حرية الإعلام واستقلاليته أولا لأبجديات للتنمية.
هذا صحيح ولكن التجربة كشفت أيضاً أن أصحاب المصلحة غير متفقين على فهم موحد لحرية الإعلام وحدوده واستقلاليته، وكثير من الإشكاليات المحسومة ضمن الممارسات الفضلى ما زالت مكان جدل وخلاف في الأردن رغم كل التجارب.

التعليق