فريهان سطعان الحسن

لا تعتبوا على الورود!

تم نشره في الاثنين 6 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً

ليس بالزمن البعيد ذاك الذي كنا نستشعر فيه روح وجمال وحتى مذاق كل شيء. كنا نسير بجانب البيوت، مستنشقين عبير الورود بأنواعها، ومعايشين جمال ألوانها وهي تفترش الأرصفة وتتسلق الحوائط والجدران، فنعيش معها لحظات مديدة ملؤها التفاؤل، أو نستعيد بها ذكريات تبعث بنا الأمل بأن ثمة جميلا باقيا متجددا.
فملامح طفولتنا لم تكتمل إلا بأزهار كنا نقطفها من الحدائق والأشجار المحيطة ببيوتنا، نحملها بين أيدينا، ونرتبها زهرة إلى جانب الأخرى في باقة أنيقة؛ تعنون لفرحنا الذي لا نريد أن يغادرنا، فنبقى نتنشق عبيرها فخورين بذوقنا واختيارنا. ولأنها الفرح، فهي تستحق أن نختار لها "مزهرية" تليق بها، وأن نضعها حيث نراها أطول مدة ممكنة لنا، نهديها لفرد من عائلتنا، لتكون سفيرة قلوبنا لديه.
هكذا كانت الورود؛ عطر وجمال يعبق المكان ساعات وساعات، ربما لا تنتهي؛ حين نضعها بين صفحات كتاب يخلد ذكرياتها وجمالها، ويعيدهما إلينا كلما قلبنا أوراقه، لحظات غبطة حقيقية وصادقة لا تنسى.
لكن ليست الورود من كانت كذلك، بل أشياء كثيرة أخرى لم يكن قد مسها التلوث والاصطناع كما هي الحال الآن. ولذلك أيضا، فحين تصير الورود اليوم بلا عبير، بل مجرد "أشكال" جميلة جذابة، فلأن أغلب الأشياء والكائنات الأخرى قد فقدت رونقها وحتى روحها، فأصبحت بدورها أشكالا وقوالب ربما تكون أخاذة.. إنما من بعيد.
فالحب لحق بالورود، فاقدا بريقه ودفئه. وأضعنا تلك الزهرة التي كانت تسكن لسنوات بين أوراقنا. وتلوث الحب الحقيقي بمفردات معاصرة تساير عصر السرعة والزمن الافتراضي، وتبدل المصالح!
وحتى العلاقات الصادقة صارت عملة نادرة، فعصر الماديات يحكم الأفراد، بعد أن اختلت المعايير الاجتماعية والأخلاقية، وتسيدت الانتهازية.
أما التواصل الاجتماعي الحقيقي بين الناس، فهو رهين فرصة سانحة قد تأتي وقد لا تأتي، للحظات، لأن كلا منا مشغول بعالمه الافتراضي، الذي يساوي العزلة في العالم الحقيقي، وهي ترافقنا حتى ونحن جالسون مع عائلاتنا وأعز أصدقائنا، فيسود الصمت الذي نجح في قتل الألفة التي كانت حاضرة بيننا، ومعها الضحكات البريئة الجميلة التي كانت تزين الوجوه.
كانت ابتساماتنا حقيقية تخرج من القلب محمولة على دفء المشاعر الصادقة؛ فتفتح أبواب القرب والتسامح، وتنبذ الكره والحقد والتعصب، كانت مفتاحا للسعادة والمودة، والأمل.. نعم، كانت الابتسامة تصنع المستحيل.
أشياء كثيرة كانت في الماضي أكثر عطاء ومحبة وصدقا، ولو بشكل رمزي، فكان لأبسط الأشياء قيمتها ورونقها.
إذن، لا عتب على الورود الجميلة الأخاذة، إلا من عطر وعبير.. لقد أصبحت نسخة عنا؛ بلا روح تعبق بالحياة!

التعليق