د.أحمد جميل عزم

فرسان على نبع صفورية

تم نشره في الخميس 9 نيسان / أبريل 2015. 11:04 مـساءً

هل سبق أنْ التقيت شخصاً، وتمنيت بعد مغادرته لو تراه وتسأله أسئلة كثيرة؟
وصلتُ نهايات الشهر الماضي، مع ثلّة أصدقاء، إلى نبع صفورية، شمال الناصرة، صباحاً. لا أفهم حتى الآن كيف سرت تلك اللحظات والدقائق.
التقينا على النبع شبانا وفتيانا يصطحبون سمر وابنتها سحر (التي كانت تستلقي أرضاً، فالتقطتُ لها صورا بعد استئذانهم). وقريباً منهم، كانت نسرين السمراء الجميلة، وهم يحدثونني عن جمال قمر التي لم تأتِ. هؤلاء كُنّ أربع "أفراس" يمتطي الشبان ظهورهن في رحلة قالوا إنها متكررة. لم تمض دقائق، حتى كانوا قد أقنعوني بامتطاء الفرس. في البداية، أقنعوني بهدوء سمر، ثم بدأوا بالمزاح وأنا فوق الصهوة، أنني قد أصبح فارساً. في الأثناء، كانت سحر المُهرة الرضيعة تجري خلف أمها جائعة، والشاب ينهرها ويخبرها أنّ حليب الأم الساخن بفعل الركض يضرّها!
عرضوا علينا الإفطار "سليسيو ولبنة وشاي وزيتون"، واعتذرنا بأننا قد جئنا بمناقيش الزعترمن سِخنين، ولكننا شربنا قهوتهم وشايهم. كان الصديق المحامي جهاد، كعادته قد خلع قميصه وحذاءه، وانخرط من دون تخطيط، ومعه صديقة من الناصرة، يخوضان النبع مع الفتية، ينظفانه. وسرعان ما صار الماء نظيفاً. واتفق جهاد مع الشباب على ديمومة التنظيف، والعودة يوما لإفطار يجمع المئات.
وصل جوناثان وركبنا السيارات.
في اليوم التالي في رام الله، كنتُ أقرأ في كتاب شوقي قسيس "حيفا ليست قرطبة"، فوجدته يقول عن بداية الخمسينيات: "أنت تذكر عين الأسد وتفاحها الشهي من نوع (القرقشاني).. تجلسون في أحد البساتين دون استئذان (...) تقطفون من الشجر ما ترغبون بأكله من تفاح وعنب". ويحدثك عن وادي سلامة: "تحطون أيضاً رحالكم في أحد البساتين دون استئذان. بعد أن ترتاحوا قليلاً يخرج لاستقبالكم أصحاب البستان أو ساكنوه، فيشعلون النّار لغلي القهوة على الحطب. يجلسون وينسجمون معكم".
أخذنا جوناثان؛ الصحفي البريطاني الذي بات فلسطينياً مقيماً هنا منذ سنوات طويلة، في جولة داخل صفورية. أوقَفنا عند الحشائش العالية في غابات محاطة بأسلاك، ومحظور دخولها، ويقول: "إذا جئتَ صيفاً ترى بقايا حطام البيوت بينما تغطيها حشائش الربيع الآن". يخبرنا أنّ الغابات الصنوبرية المزروعة هدفها طمس القرى العربية لا التشجير. ندخلُ بقايا كنيسة قديمة، وسهل البطوف أمامنا بامتداده الأخضر، وقطة تصرّ بإلحاح على اللعب معنا. وجوناثان يرينا بيتين بقيا صامدين وحُوِّلا إلى منتجع أو مبنى للمستوطنين الذين بنوا قرية زراعية تملؤها الأبقار. ويُخرج صوراً قديمة، يرفعها ويقول: هذه البيوت وهذه الصورة كانت هناك، يشير بأصبعه، فترى الشجر والفراغ. ويشير إلى الناصرة، ويقول: نسبة كبيرة جداً من أهلها لاجئون من صفورية.
تركتُ كتاب قسيس، وأخرجت من المكتبة كُتباً ذات علاقة، وبدأتُ أبحث عن صفورية. وجدتُ التفاصيل عند آلان بابيه: هي من أوائل القرى التي استُخدم القصف الجوي لتدميرها وطرد أهلها. بعد القصف منتصف العام 1948، حمل رجالها مسدسات وبنادق ليقاتلوا، بينما هرب المتطوعون من جيش الإنقاذ من موقعهم في مدرسة البنات في القرية. نصح ضابطٌ من الجيش شاباً مقاتلاً بالهرب. هذا الشاب صار اسمه الحاج سالم، وقال العام 2000 للصحافة إنّ نصيحة الضابط فيها "منطق"، وأخبرهم كيف ماتت أمه بقصف طائرة وهي تدخل الكنيسة، وكيف لوحق الأطفال والنساء إلى الكهوف المحيطة بالقرية التي لجأوا إليها، وكيف هربوا إلى قرية الرينة وقضوا أشهراً في "ضيافة" عائلة مسيحية هناك، تقاسمهم الطعام والملابس. وعندما عاد أهالٍ ليلا بهدف إحضار الملابس قتل الإسرائيليون بعضهم. بعض إخوة سالم كانوا أطفالا اختفوا تماماً ويعتقد أنهم ربما لاجئون في بلد آخر.
الشبان على ظهور الخيل يأتونها من الرينة بنزهة مسافتها نحو 40 دقيقة من السير المتأني. وددتُ لو سألتهم: هل عائلتكم هي من آوت عائلة سالم؟
يخبرني الأصدقاء أنّ الجلوس على النبع قصة نضالية. فقد أحيط سنوات طويلة بحواجز حديدية، وبقي الشبان يأتون ويكسرونها ويتنزهون، حتى سلّم المستعمرون وأزالوا الحاجز، من دون أن يقلل هذا من حقيقة أنّ التهويد والنكبة عمليتان مستمرتان، وأنّ الفلسطينيين في أراضي الاحتلال الأول جُرِّدوا من أي أرض صالحة للتوسع والبناء خارج محيط مساكنهم.
أريد سؤال فرسان النبع أسئلة كثيرة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بوركت (عمار)

    الجمعة 10 نيسان / أبريل 2015.
    أنت تجعل للجمعة طعما آخر طعم فلسطين