عودة إلى الحوكمة في مصارفنا الإسلامية

تم نشره في السبت 11 نيسان / أبريل 2015. 11:00 مـساءً

د. غسان الطالب*

في مقالة سابقة نشرت بجريدة الغد في هذا الموقع بالتحديد وبتاريخ  25 آب (أغسطس) 2013،  تحدثنا عن الحوكمة في مصارفنا الاسلامية من منظور اسلامي في وقت يشهد نموا وانتشارا للصناعة المصرفية الإسلامية وتطور أدواتها التمويلية وخاصة في السنوات الأخيرة، رافق هذا التطور ظهور الكثير من الأصوات التي تطالب بوضع معايير للحوكمة تطبق في المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية على غرار ما هو موجود في المؤسسات العالمية التقليدية ولكن ضمن ضوابط وفلسفة الشريعة الإسلامية. ارتأينا العودة لهذا الموضوع المهم، وتماشيا مع الاهتمام الذي بدأ جليا من المؤسسات الرقابية والمسؤولة عن ادارة السياسات النقدية، لتطبيق وتطوير معايير الحاكمية في المؤسسات المالية والمصرفية ومنها المصارف الاسلامية وفي بلدان مختلفة نظرا للتطور والانتشار السريع لهذة المؤسسات، فالحوكمة اصطلاحا ومفهوما لا تختلف عما هو معروف ومتبع عالميا وإنْ اختلفت بعض المصطلحات وَصِيَغ التعبير، لكن وجه الاختلاف مع المنظور الإسلامي هو في المعايير المتبعة لتطبيقها.  
 الحوكمة مصطلح يعني بمفهومه العام الإدارة الرشيدة وهي تمثل الممارسات التي ُتدار بها الشركات والقدرة على التحكم الجيد لإدارة أعمالها، كما إنها تؤدي إلى عملية توازن بين أهداف المؤسسة، سواءً أكانت اقتصادية أو اجتماعية، مع مصالح الأفراد، ثم الاستخدام الكفؤ للموارد المتاحة من خلال توفير رقابة محاسبية سليمة توفر البيانات المطلوبة كافة للمساءلة عن طريقة إدارة موارد هذه المؤسسة. بمعنى آخر التوفيق بين أهداف صاحب رأس المال والشركة وأهداف المجتمع المرجوة من قيام هذا المشروع؛ أي أنها تمثل مجموعة من الأسس والقوانين التي تحكم عمل الشركة والنظام المتبع لديها.
إذاً هي تمثل مجموعة من الأدوات والإجراءات المنظمة لطبيعة العلاقات بين الأطراف المتمثلة في المالكين للمؤسسة ونظام الرقابة والمسؤولية التي تهدف إلى تحديد استراتيجية فاعلة لأداء الشركة.
على الرغم من حداثة هذا المصطلح وظهور الحاجة إلى تطبيقه في المؤسسات المالية بهدف حماية الأموال الخاصة وضمان سلامة النظام المصرفي، خاصة بعد تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في العديد من المؤسسات المالية الخاصة منها والعامة. وهذا ما يفسر أحياناً حالات الإفلاس والانهيار للعديد من المصارف والمؤسسات المالية التي كانت تمتلك مراكز نفوذ مالي ومصرفي، وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد من منطلق الحرص على تجربتنا المصرفية الإسلامية واتخاذ الإجراءات الاحترازية والضرورية كافة لضبط وسائل الرقابة وتطبيق مبدأ الحاكمية لضمان حماية أصول هذه المصارف وحماية حقوق المساهمين والمودعين، وكذلك سلامة المركز المالي لها، خاصة أن المودعين أصحاب الودائع الاستثمارية يتعرضون لمخاطر كبيرة بسبب طبيعة الاستثمار المبني على أساس المشاركة في الربح والخسارة. وهنا نود التأكيد أن أحكام الشريعة الإسلامية صريحة في تحديد العلاقة بين الأطراف كافة المكونة للنظام المصرفي الإسلامي والمتمثلة في العدالة، المسؤولية، المساءلة والشفافية.
إذاً الحوكمة في المصارف الإسلامية يحكمها الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، على عكس ما هو موجود في المصارف التقليدية المبنية على هدف تعظيم الربح حيث تلتزم المصارف الإسلامية بمبدأ المشاركة في الربح والخسارة وعدم المتاجرة بالديّن إضافة إلى ما تتميز به هذه المصارف الإسلامية من وجود هيئة الرقابة الشرعية التي تعمل على التأكد من مطابقة عمليات المصرف الإسلامي مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وهذا بحد ذاته يمثل ركناً مهماً من أركان الرقابة والمساءلة والشفافية، حيث لا تنظر هذه الهيئة إلى الربح المتحقق من العملية بل يهمها مشروعيتها وانسجامها مع الفلسفة الإسلامية، ما يؤثر مباشرة على اختيار المصرف لنوع الاستثمار والابتعاد عما هو محرم أو يوجد فيه شبهة الحرام. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض العائد من عمليات المصرف، لكن في الوقت نفسه فإنه يبعث على الثقة والطمأنينة لدى المودعين ويدفعهم إلى توجيه مدخراتهم إلى المصرف الإسلامي، وبالنتيجة يخلق حالة من التنافس الشديد مع المصرف التقليدي.
إن التوسع السريع والكبير في المصارف الإسلامية يتطلب اليوم إعادة النظر في المفاهيم التي بدأت بها المصارف إدارة أعمالها، عندما كانت مشاريع فردية وصغيرة الحجم، وأصبحت اليوم من الركائز الأساسية للاقتصاد الإسلامي. ولا بد من إيجاد الصيغ التشريعية والرقابية المناطة بالمصارف المركزية لضمان جودة أدائها ويحقق لها المزيد من النجاح وتقديم العمليات المصرفية التي تحقق لها قدراعاليا من التنافسية.
وحتى تحقق الحوكمة أهدافها لا بد من الأخذ بعين الاعتبار عاملين أساسيين هما:
   -  العوامل الداخلية التي تمثل مجموعة من المحددات والقواعد والأسس التي تحدد طرق اتخاذ القرار وعدم التعارض في السلطات الممنوحة لكل من الجمعية العامة ومجلس الإدارة وهيئة المديرين.
   -  العوامل الخارجية متمثلة في البيئة الاستثمارية في البلد والتي تتضمن القوانين والتشريعات المنظمة للسوق وكفاءة القطاع المالي وقدرته على توفير التمويل المطلوب وكفاءة الهيئات الرقابية وما إلى ذلك.
     والعامل الأساس والمهم في تطبيق ونجاح نهج الحوكمة في مصارفنا ومؤسساتنا الإسلامية هو التمسك بمنظومة النزاهة والشفافية وتطويرها بما يضمن حسن الأداء وجودة المنتج المالي والخدمي لديها.

*-خبير في التمويل الاسلامي

التعليق