أيمن الصفدي

صفقة الحاجة الإيرانية-الأميركية

تم نشره في السبت 11 نيسان / أبريل 2015. 11:09 مـساءً

وُلدت الصفقة النووية بين إيران والولايات المتحدة من الحاجة المشتركة لها. الرئيس الأميركي باراك أوباما أراد إرثَ نجاحٍ في السياسة الخارجية. وأرادت إيران تخفيفَ ضغوطاتِ العقوباتِ الدولية التي تُعيق قدراتها على تمويل استثماراتها التوسعية والعسكرية في المنطقة، في وقتٍ تواجه فيه هذه تحدياتٍ غير مسبوقة.
يُلبي اتفاق الإطار الذي أعلنه الطرفان قبل أيام لأوباما وإيران الحدَّ الأدنى من رغباتهما إذا تطور اتفاقاً شاملًا في نهاية حزيران المقبل.
فمع اقتراب فترتي حكمه من نهايتهما، يواجه أوباما أزمة الخروج بسجل فشلٍ كاملٍ في كل الملفات الخارجية التي تعاملت معها إدارته، خصوصا في الشرق الأوسط.
في العراق، أسهمت سلبية أوباما السياسية وقراراته العسكرية في إعادة إنتاج الإرهاب بشكل يهدد الدولة بشكل أسوأ من أي فترة سابقة. عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية قتلتها إسرائيل بينما إدارة أوباما تتفرّج عاجزةً أمام تعنّت التطرف اليميني الذي يمثله نتنياهو. وأسهمت مواقف الإدارة الأميركية المترددة بدرجاتٍ متفاوتةٍ في تفاقم أزماتٍ جديدةٍ في عديد مناطق أخرى تشمل سورية وليبيا واليمن.
وهنا برز الملف النووي الإيراني فرصةً لتحقيق اختراقٍ يظنّه أوباما إنجازاً سيضيف إيجابيةً لتاريخه. لذلك سعى للتوصل لاتفاق يعالِج جوانب جادةً ومهمةً من ذلك الملف، لكنه لا يلتفت إلى غيره من السياسات الإيرانية التخريبية في المنطقة.
التقطت إيران حاجة أوباما لإبرام الاتفاق، وفاوضت بذكاءٍ مكنّها الوصول لصفقةٍ تنسجم مع أهدافٍ استراتيجية تبلورت وفق عملية إعادة ترتيب أولوياتٍ فرضتها التحديات الجديدة التي تفجّرت أمام سعيها إحالة العالم العربي منطقة نفوذٍ وسطوةٍ لها.
المقاربة التي حكمت النهج التفاوضي الإيراني في الملف النووي تتلّخص في أنّ حماية توسعيتها في جوارها العربي تتقدم مرحلياً على أهدافها النووية. من أجل ذلك تنازلت "نوويا" لتخفيف العقوبات التي حدّت من قدرتها تمويل حماية توسعيتها في سورية ولبنان والعراق واليمن.
وحققت إيران ذلك بالحد الأدنى من التنازلات. احتفظت بقدراتٍ نوويةٍ أساسيةٍ يُمكن إعادة بنائها في اللحظة التي تراها مواتية. وستحصل على أموالٍ ومساحةِ حركةٍ أوسع ستساعدها في العمل على إدامة استثماراتها التوسعية في جوارها.
فباستطاعة إيران مستقبليا إعادة الزخم لبرنامجها النووي حتى وإن ضعف تحت الاتفاق. لكنّها لن تستطيع استعادة نفوذها في سورية ولبنان والعراق بذات السهولة إن خسرته وسط عواصف الفوضى والتغيير التي تعصف بالإقليم.
الصفقة النووية جاءت منسجمةً تماماً مع الأولويات الإيرانية.  وهي لبّت أيضاً حاجة أوباما لإرث نجاحٍ يحاكي تعريفه الانعزالي للنجاح ولدور أميركا الخارجي ولمسؤولياتها إزاء الدول العربية التي يدعي أوباما أنّه حليف لها.
قد تكون الصفقة تاريخيةً من وجهة نظر أوباما. لكنّها صفقة سيئة من منظور المصالح القومية العربية.  فهي حتى وإن حاصرت البرنامج النووي الإيراني، تجاهلت تدخلات طهران الإفسادية التوسعية التخريبية في بلاد العرب، وستهيئ لها ما تحتاج من أموالٍ وقدرةٍ للتغول في نهجها الساعي للسطوة والهيمنة.
ورغم جعجعة نتنياهو، فإن إسرائيل هي المستفيد الآخر من الصفقة.
فإسرائيل تعرف أنّ إيران لم تكن يوماً خطراً حقيقياً عليها. خلافها معها نزاع مصالح محكومٌ ببراغماتيةٍ عاليةٍ، ومحاصرٌ في حدود الفائدة المشتركة من تصوير الآخر عدواً. إسرائيل توظف تضخيم الخطر الإيراني لتبرير إدامة احتلالها للأراضي الفلسطينية وابتزاز الدعم من الغرب. وإيران تستغل عدائيتها اللفظية لإسرائيل لتسويق نفسها مدافعاً عن الحق الإسلامي في القدس وتغطية عدائيتها الحقيقية للعرب.
وبالتأكيد، ستستفيد إسرائيل أكثر إذ تغرق المنطقة أعمقَ في دوامة الصراعات التي ستُؤججها إيران بعد أن تتحرر من قيود العقوبات، ويحتفل أوباما باتفاقٍ نوويٍ سيعميه، اختيارياً، عمّا ستمارسه إيران من انتهاكاتٍ جديدةٍ تُقوّض المصالح العربية وتُزعزع أمن العرب واستقرارهم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تهريب الدّراجات ... (ابو عبدالله)

    الأحد 12 نيسان / أبريل 2015.
    مقال رائع وتحليل منطقي للاتفاق (الايراني – الامريكي) ...
    نعم ، هو اتفاق (ايراني – امريكي) وحسب ترتيب الكلمات وحسب عدد الكلمات بلا زيادة ...؟؟؟ فكلمة نووي التى يتم اضافتها – دائما – حين الحديث عن هذا الامر ما هي الا محاولة ل(تضييق امر واسع) ...
    الامر الواسع ان الاتفاق كان (ايرانيا) بامتياز ، في غفلة من العالم استطاعت ايران صرف انظار الناس الى جانب واحد او زاوية واحدة من الصورة الكبيرة وتعلقهم بها وهو المشروع النووي ...
    قد تكون ايران قد اكتسفت (متأخرا) ان اصرارها على ملفها النووي – بكل تفاصيله الكاملة – يعتبر ويدخل فقط في موضوع (العناد) وطبيعة وسكيولوجيا تكوين الشخصيّة الايرانية ، فإيران التى حصرت تفكيرها وجهدها في هذه (الجزئيّة) الضيقة من وجودها اكتشفت ان الجميع وعلى رأسهم امريكا وبقيادتها وإدارتها (السابقة) ايضا تبعتها في ذلك فلم تعد ترى الا (مشروع ايران النووي) الذي (غطى) على خارطة واسم ايران بالكامل ...
    تحضرني – هنا – قصة طريفة يمكن اسقاط الموضوع عليها لتصبح الفكرة اكثر وضوحا ، فقد كان هناك احد الاشخاص ينطلق يوميا ما بين الحدود الالمانية والفرنسية على ظهر دراجته وقد كان الجميع (يشك) ان ورأه شيء غريب او قصة ، وقد كان الجنود والجمارك يقومون بتفتيشه جيدا حين يمر من هناك لاعتقادهم بانه يقوم بعمل ما وقد مضى على ذلك سنوات طويلة حتى ترك الرجل من تلقاء نفسه هذا الامر واعترف للناس انه كان يقوم بتهريب (الدراجات) التى يركبها فهو يدخل بها يوميا ويبيعها هناك ويعود بالقطار راجلا وهكذا ...، وقد كانت تجارة رابحة وذكيّة ومجديّة فقد (انحصر) تفكير وبحث الجمارك بالتهريب ونسوا ان الدراجة نفسها التى يركبها هي الثروة والهدف ...
    الموضوع الايراني (قريب) من هذه الصورة ، ايران تريد استعادة نفوذها وتريد ان تلتفت للقيادة وبناء دولتها الكبرى الممتدة ، وتريد ان تبني اقتصادها في ظل انخفاض اسعار النفط – المتعمد – للنيل منها ، وتريد ان تجعل من محادثاتها النووية مدخلا صغيرا متواضعا يتيح لها دخول العالم من اوسع ابوابه ولتكون بذلك قد (هرّبت) وسوّقت وتاجرت بنا – العرب – وبالعالم جميعا ونحن نظن بأن هناك ما تخفيه (فوق) درّاجة مشروعها النووي ...