"صنع يدويا في الأردن": دعم الريادة الحرفية "الجديدة" كقطاع رافد للاقتصاد الوطني

تم نشره في الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015. 11:00 مـساءً

ربى صقر

بينما يضج العالم بموجة للأعمال الحِرفيّة واليدويّة "المعاصرة"، والتي تبلغ قيمة التداول فيها مليارات الدولارات، ما نزال في الأردن ننظر إلى العمل اليدوي كهواية تمارسها ربات البيوت (حسب رأي كثيرين)، أو أعمال تقليدية تعيد المجتمعات المحلية إنتاجها بهدف بيعها للسياح، لا كقطاع احترافي من الممكن أن يكون رافداً جديداً للاقتصاد بهدف توسيع آفاق الناتج المحلي الإجمالي، أو كطريق لإثراء الهويّة الوطنيّة وتعزيز روح الابتكار والريادة.
وقبل أن نعرّج على التأثير الاقتصادي لقطاع الحرف اليدوية "الجديدة"، فلنبدأ بالمفارقات الكبيرة في تعريف هذا القطاع في دول كبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وكندا والدول الاسكندنافية وجنوب أفريقيا وأستراليا، والذي يختلف جملة وتفصيلا عن المفهوم المحلي حوله.
ففي السنوات العشر الأخيرة، شهدت دول العالم ثورة في الأعمال اليدوية المعاصرة، بحيث طوّر الحرفيّون في هذه الدول منتجات ذات لمسة فنية وعصرية لها حجم تداول هائل؛ سواء من خلال التجارة الإلكترونية، أو البيع بالتجزئة، وانتهاء بالبيع من خلال المعارض والأسواق الحرفية المتخصصة عالية الجودة والمستوى.
والملاحظ أن هناك مؤسسات عامة في تلك الدول معنية بأن تكون هذه المنتجات "محلية الصنع" وذات جودة عالية جداً، آخذة بعين الاعتبار التوجهات الفلسفية والفنية للحرفيين الذين يُشارُ إليهم في بريطانيا، بالذات، بمسمى "مصمم-صانع" (Designer-Maker)؛ إذ إن الحِرَف الجديدة تتطلب نوعاً من الابتكار، يخرجها عن نطاق الحرف التقليدية. كما أن هناك مؤسسات لحماية هذا النوع من الابتكار، ووقف أشكال التقليد والنسخ كافة، بحيث يتفرد كل "مصمم-صانع" بفكرته ومنتجه، آخذين بعين الاعتبار وجود بيئة حاضنة تشجع التعلم والتطوير، بحيث يرتبط التفرد بماض عريق يسمح لهذا الابتكار بأن يكون وليد الثقافة المحلية، مع تمتعه بهويته الخاصة به.
ولا ننسى بأن هناك مؤسسات أخرى تُعنى بالمحافظة على المنتج "التراثي"، والذي يختلف اختلافاً كبيراً عن المنتج الحرفي "الجديد"؛ موضوع هذا المقال.
بالمقارنة، يشهد الأردن غياباً كاملاً لأي هيئة أو جهة تعنى بتطوير قطاع الحرف "الجديدة". ولا نقصد هنا جهة بيروقراطية تحول القطاع إلى مسخ لا ابتكار فيه، بل جهة ذات رؤية وبصيرة على غرار "الهيئة الملكية الأردنية للأفلام"، قادرة على جمع المواهب، وتقديم التوجيه والإرشاد، ودعم البحث، وتطوير جملة من المعايير التي تشجع استخدام المواد المحلية والابتكار الحقيقي، بما في ذلك الابتعاد عن النسخ والتقليد اللذين يقتلان الإبداع ومصداقيته.
ومن شأن جهة بهذا الحجم والحرفية، أن توعي الجمهور المستهلك لهذا النوع من الحرف الجديدة بمواضيع ذات علاقة بالجودة. فهناك فرق كبير ما بين استخدام القطن الطبيعي، على سبيل المثال، واستخدام الأقمشة الصناعية؛ وهناك فرق شاسع ما بين منتج يحتكم إلى معايير بيئية وفنية وحرفية، وآخر هو عبارة عن تجميع لمواد ذات جودة ضعيفة.
ولا بد من الإشارة إلى وجود المواهب المحلية الخارجة عن التقليدي والواعدة والريادية. إلا أن هذه المواهب كثيراً ما تغرق في بحر من المنتجات المستوردة رديئة الجودة التي تعمّ كثيرا من البازارات وتطمُّها، وتدّعي بدورها الترويج للمنتج المحلي. وتنتشر في تلك الأروقة ثقافة انعدام المعايير، الأمر الذي يترك المجال أمام تكريس الذوق المتدني وعادات الاستهلاك العشوائية. ولا يتوقف الأمر عند هكذا بازارات، بل يمتد إلى غياب استراتيجية وطنية متبصرة وعملية، تعنى بالنهوض بهذا القطاع الذي من شأنه أن يحقق للأردن رافداً وطنياً منافساً، وبابا لتعلّم أدوات جديدة في الابتكار، ومهارات تبني الإنسان الجديد المستنير والمتحمس لحرفته، والمنفتح على آفاق جديدة في العمل والعطاء والتقدم.
ولا تنقص الأردن البرامج والاستراتيجيات التي طورتها وزارة السياحة والآثار، بالتعاون مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لدعم الحرف "التقليدية". إذ لدينا "الاستراتيجية الوطنية لتطوير قطاع الحرف اليدوية السياحي" (للأعوام 2010-2015)، والتي -في رأيي- لم تنجح في تطوير منتج محلي "تقليدي" متفرد، يعتمد على الأساليب التقليدية القديمة ويحافظ، في الوقت ذاته، على التراث والقيم التي وراء المنتج الأصيل؛ بل قامت بتشجيع صناعة لا مستهلك لها، مدعية بأن السائح هو الفئة المستهدفة. ولهذا الموضوع مقال آخر.
وللأمانة، فقد قامت دول الاتحاد الأوروبي، منذ سنوات قليلة، بتنفيذ من اتحاد المعاهد الأوروبية الوطنية لدعم الثقافة "ايونيك" (EUNIC) في الأردن، بإطلاق برنامج "أردن مبدع" (Creative Jordan)، مقر أعماله "المجلس الثقافي البريطاني" بعمان. ولهذا البرنامج الأثر الملحوظ في تشجيع البيئة الإبداعية المحلية، من خلال "مشروع الصناعات الإبداعية في الأردن". لكن، وللأسف، لا يشمل البرنامج دعم الحرف، بل يقتصر على أربعة أنواع فقط من مخرجات الاقتصاد الإبداعي (المرئي والمسموع، والخدمات الإبداعية، والفنون الأدائية، والفنون البصرية). ولهذا الموضوع مقال قادم أيضا.
وعودة إلى شرح الفرصة الذهبية التي أمامنا، أبدأ بالإشارة إلى ورقة لـ"المجلس الحرفي" البريطاني (Craft Council)، تم نشرها أواخر العام 2014، تُبين بأن الحرفيين الصغار في بريطانيا يدرّون حوالي 3.4 مليار جنيه استرليني (حوالي 4.98 مليار دولار أميركي) سنويا. وتشمل الورقة دراسة لتأثير الأعمال الحرفية الصغيرة تحت مسمى "الصناعات الإبداعية،" وكذلك مساهمة الحرفيين العاملين في قطاعات خارج نطاق هذا القطاع الحيوي، مثل التكنولوجيا والعلوم.
وفي دراسة أخرى في ولاية "ويست فرجينيا" الأميركية، تبيّن أن قطاع الحرفيين الصغار يؤمّن أكثر من 54 مليون دولار لخزينة الولاية كل عام، وهي ولاية لا يتجاوز عدد سكانها مليوني نسمة.
أما في دراسة تمت العام 2008، فتبحث ورقة بعنوان: "التأثير الاقتصادي للصناعة الحرفية في منطقة شمال غرب ولاية كارولينا" الدور الاقتصادي للصناعات التي تنطوي تحت بند "صنع يدويا في أميركا" في تلك المنطقة. وتبين أن المستهلك العادي يقوم بشراء منتجات مصنوعة محليا بزيادة بلغت 46 % عما كان الأمر عليه العام 1995، بحيث بلغ التأثير الاقتصادي لهذا القطاع في التسعينيات حوالي 122 مليون دولار، في منطقة عدد سكانها في حدود المليون نسمة فقط. وأشارت الدراسة إلى أن التأثير الاقتصادي المباشر لقطاع صناعات الحرف اليدوية قد قفز إلى أكثر من 206 ملايين دولار العام 2008.
لا بد لدولة كالأردن، يشكل الشباب دون الثلاثين عاما حوالي 70 % من عدد سكانها، أن تصنع مؤسسات "شابة" توسع من نطاق النشاط الاقتصادي، وتسمح للريادة الحرفية الجديدة بأن تجد البيئة المناسبة لتحفيزها؛ آخذة بنا إلى أفق جديد يكرس الابتكار والجودة والمهنية. ولا بد لنا من تكريس الشعور بالفخر بالمنتج المحلي اليدوي الجديد، المصنوع ضمن معايير عالية، ورؤية قادرة على النهوض بالهمم والمعنويات، خصوصا أننا ضمن ظروف إقليمية تحتاج إلى رؤية مختلفة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمان (سمر)

    السبت 18 نيسان / أبريل 2015.
    شكرا لان احدهم القى الضوء على موضوع مهمل ولو انه مهم جدا لمجتمعنا