ظهور الخوارج في زماننا من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

تم نشره في الخميس 23 نيسان / أبريل 2015. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 4 أيار / مايو 2015. 11:58 صباحاً

أسامة شحادة*

للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، معجزات كثيرة تدلّ على صدق نبوته، منها معجزة إخباره بالغيب وأحداثه، ثم تقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وقد تنوعت هذه الأخبار؛ بين أخبار عن الأمم السابقة، وأخبار عن وقائع جرت في أماكن بعيدة عنه، كما إخباره عن فوائد ومنافع لبعض الأشياء لم تعرف وتثبت إلا في عصور لاحقة، وإخباره عن أمور ستجري في المستقبل، منها ظهور الخوارج في زمن الصحابة وفي المستقبل، بل وتكرُّر خروجهم حتى قيام الساعة.
فعن أبي سعيد الخدري قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. قال: "ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل، فقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يُنظر إلى نصله يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نضيه، وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر، يخرج على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته" (الحديث متفق عليه، وهذا لفظ مسلم).
فكان هذا أول إخبار للنبي، صلى الله عليه وسلم، عن ظهور الخوارج تحققاً في الواقع. وتبع ذلك تحققاً استمرار ظهور الخوارج المتكرر عبر الزمن، والذي أخبرنا عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "ينشأ نشء يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع". قال ابن عمر؛ راوي الحديث: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثم كلما خرج لهم قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عِراضهم الدجال" (رواه ابن ماجة، وصححه الألباني). والتاريخ يشهد باستمرار وقوع الخوارج ثم زوال فتنتهم، لكن بعد أن يحدثوا ضرراً في الدين والدنيا.
ومن أخبار النبي، صلى الله عليه وسلم، حول الخوارج في أمثال زماننا، قوله صلى الله عليه وسلم: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" (متفق عليه).
وهذا الحديث يكشف عن بعض خصائص الخوارج في آخر الزمان، ومنها:
- أنهم صغار السن. وهذه صفة مشتركة في غالب قادة جماعات العنف والغلو. ومن تتبع أعمار هؤلاء القادة حين تبنوا الغلو والتطرف والإرهاب، سيجدهم غالبا لم يتجاوزوا الثلاثين من أعمارهم!
- أنهم "سفهاء الأحلام"؛ بمعنى صغار العقول، لا تجربة ولا خبرة ولا معرفة لديهم. وأكبر دليل على هذا، كثرة مراجعات هؤلاء لأنفسهم بعد وقوع الكارثة بسنوات عديدة. وبذلك يكونون قد جنوا على أنفسهم وعلى أتباعهم من الشباب السذج المخلص، كما على المسلمين والناس، وعلى الإسلام، بجهلهم وغبائهم.
- أنهم يتقنون الشعارات الجذابة؛ "يقولون مِن قول خير البرية". وهذا ما يحدث مع الخوارج في كل عصر. فمنذ الخوارج الأوائل وهم يرفعون شعاراً محقاً "إن الحكم إلا لله"، ولكنهم يقصدون به الباطل! ولذلك، حين ناقشهم ترجمان القرآن وحبر الأمة عبدالله بن عباس، رضي الله عنه وعن أبيه، وكشف جهلهم وضلالهم، استفاق ثلث الخوارج من غيّهم وعادوا لصوابهم. وتكرر هذا في مناظرة أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز للخوارج.
وهذا يدل بكل وضوح على أن العلاج العلمي الفكري من قبل العلماء الربانيين، هو الأصل والخطوة الأولى في علاج الغلو والتطرف والتكفير، ثم يأتي العلاج الأمني. وقد قام العلماء في هذا العصر، منذ ظهور مشكلة العنف والتكفير منتصف الستينيات من القرن الماضي، بجهود جبارة في علاج الفكر المنحرف؛ بالكتابة والمناظرة والخطابة. لكن الإعلام لم يسلط الضوء على ذلك إلا لماماً، لانشغال الإعلام بأجندات أخرى.
- غلبة الجهل عليهم والتدين "يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم". فهم يقرأون القرآن، لكنه لا يصل إلى عقولهم ولا قلوبهم، فلا يفهمونه. ويعلمون أحكامه وحلاله وحرامه، ولكن لا يطبقونها.
ومن الملاحظات المهمة على كثير من شباب جماعات التطرف المعاصرة، كما كشفت المقاطع المصورة لهم على مواقعهم، قلة التدين ورقته لديهم، بينما كان الخوارج السابقون أهل عبادة وطاعة واستقامة في الظاهر؛ وأخبر بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي استعرضناه. أما هؤلاء الذين في زماننا، فالكذب والغدر والخيانة صفتهم، ولا يُعرفون بتقوى وعبادة ظاهرة!     
فمن علامات نبوة محمد، عليه الصلاة والسلام، إخباره بظهور الخوارج أولاً؛ واستمرار تكرر خروجهم حتى قيام الساعة، ثانياً؛ وتحقق صفاتهم في آخر الزمان كما نرى ونشاهد، ثالثاً.
ولعل البعض من هؤلاء الخوارج في عصرنا يلبّس على الناس بقوله: إن الخوارج هم من يكفّرون بالكبيرة (الكبائر)، وهذه الجماعات كتنظيم "داعش" و"القاعدة" و"النصرة" وغيرها كثير، لا تكفر بالكبيرة. فإذن، هم ليسوا من الخوارج!
لكن هذه حجة ساقطة. فالخوارج الأولون لم يكونوا يكفّرون بالكبيرة! وكانوا أصل وأساس الخوارج! والتكفير بالكبيرة هو أمر استقر وعُرف بين الخوارج متأخراً، بل والخوارج لا يتفقون كلهم على التكفير بالكبيرة، مثل فرقة النجدات من الخوارج.
والأحاديث النبوية التي حذرت من الخوارج، لم تذكر صفة تكفير مرتكب الكبيرة في صفاتهم. ولكن ذكرت صفات أخرى؛ كقتل المسلمين، والجهل، وحسن كلامهم مع سوء أفعالهم. وهذا الذي تقوم به جماعات الغلو والعنف المعاصرة. ولذلك، فإن الأصل الذي يقوم عليه فكر الخوارج، هو التكفير بغير مكفّر شرعي صحيح. وهذا الذي تفعله جماعات الغلو اليوم؛ إذ تكفّر أغلب المجتمعات الإسلامية بغير مكفر. فهي ترى كفر كل من يشارك في الانتخابات البرلمانية مثلاً، وهم قطاعات واسعة جداً من المسلمين. وهذا تكفير منهم للمسلمين بغير حق ولا مستند شرعي، ولذلك يعدّون من الخوارج. ثم إن بعض جماعات الغلو والتطرف تجمع إلى ذلك التكفير استحلال دماء هؤلاء المسلمين؛ فتقوم بتفجيرات في الساحات العامة، أو في طوابير ولجان الانتخابات. وبذلك تستحق القتال والعقوبة والقتل.
والعجيب من حال جماعات العنف والغلو المعاصرة، أنها بالغت في الغلو حتى تجاوزت حال الخوارج القدماء الذين حصروا التكفير بالكبيرة، إلى أن يكفّروا بما هو أقل من الكبيرة؛ كالذنب والمباح والمستحب أحياناً!
وأختم بكلمة صريحة وقوية من شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان خطر الخوارج، إذ يقول رحمه الله: "لم يكن أحد شراً على المسلمين منهم، لا اليهود ولا النصارى. فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم، وقتل أولادهم، مكفّرين لهم. وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة" (منهاج السنة 5 /247). وكم ستنتعش جماعات الغلو والتطرف حين يستمر منع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عن أيدي الشباب، مما يفتح المجال واسعاً لأمثال "داعش" لترويج غلوها وتكفيرها من دون خوف من أن يفضح تزويرها وكذبها، كما حصل في فريتها على ابن تيمية حين نسبت له جواز حرق الأسرى. وسيكون الباب مفتوحاً لدعاة الغلو والتطرف بالتأصيل المضلل لتكفير الناس، عندما يحال بينهم وبين سياط ابن تيمية على شبهات التكفيريين والخوارج المعاصرين!

*كاتب أردني

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جزاك اللّه خير (فهد حمد)

    السبت 25 تموز / يوليو 2015.
    موضوع نحن بحاجة للكثير منه .
    اللهم أصلح أحوال المسلمين
  • »ما هذا؟؟ (سعيد)

    الخميس 7 أيار / مايو 2015.
    بعد نيف والف وأربعمائة عام تاتي يا سيد شحادة لتبحث عن دليل يؤكد نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام . من الذي يشكك في نبوته حتى تتقدم لإثباتها . اكتب شيئا ينفع الناس في حاضرهم ، او استرح وارح .