د. جاسم الشمري

العراق والطائفية

تم نشره في الاثنين 27 نيسان / أبريل 2015. 11:04 مـساءً

التنوع العرقي والديني والمذهبي في العراق، هو جزء من خريطة الوطن المطرزة بهذه الألوان البهية؛ من أقصى الجنوب حيث البصرة الفيحاء، إلى الشمال حيث جبال شمالنا الحبيب تعانق السماء.
وفي لحظة التأمل في هذه اللوحة الجميلة المتناسقة، حاول بعض السياسيين (العراقيين) إقحام الطائفية -التي تُعد من أخطر الأوبئة الفتاكة- في جسد البلاد، في مرحلة ما بعد 2003.
التعايش بين العراقيين ليس كذبة ولا مزحة، بل هو حقيقة، تشهد بها مناطق الامتزاج السكاني. ففي الشارع الواحد، تجد الكردي بجوار العربي، والشيعي متصاهرا مع السُنّي، وبالعكس. وهكذا في كل جوانب التعايش الأخرى. وعليه، فإن "داء الطائفية" يُعد من الظواهر الجديدة التي طفت على السطح في المشهد العراقي.
وفي ظل أوضاع بلاد الرافدين الحالية المتشابكة، صرنا نسمع من بعض المحبين استفسارات دقيقة عن قضايا شائكة، منها ظاهرة الطائفية بين الشيعة والسُنّة، وهل هي حالة متجذرة في المجتمع، أم أنها طارئة تنتهي بانتهاء العوامل المسببة لها؟
العراقيون تعايشوا بطوائفهم وقومياتهم كافة على مدى مئات السنين. ولم نقرأ أو نسمع عن شرخ اجتماعي نتيجة العوامل الدينية بينهم. هذا ما تشهد به كتب التاريخ القديمة والحديثة، التي تؤكد التناغم والانسجام والانصهار في بوتقة المجتمع الواحد.
ولبيان طبيعة ونشأة وحقيقة الطائفية في بلاد الرافدين، سنتناول هذه الظاهرة وفقاً للمراحل الآتية:
المرحلة الأولى: يمكن القول إنها بدأت في ثمانينيّات القرن الماضي، وبالتحديد في مرحلة الحرب العراقية-الإيرانية. ويمكن تسميتها مرحلة "بالون الاختبار المذهبي".
في هذه المرحلة، كان غالبية العراقيين -بجميع طوائفهم وأديانهم ومذاهبهم- يتمنون الموت لإيقاف المد الإيراني (الشيعي)، الذي كان يستهدف كل من يقف في الصف المقابل، بغض النظر عن كونه عربياً أم كردياً، مسلماً أم مسيحياً، سنياً أم شيعياً.
المرحلة الثانية: تبدأ منذ تسعينيّات القرن الماضي وحتى مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003. ويمكن تسميتها بمرحلة "إنبات الطائفية في تربة المجتمع"، والتي برزت بصورة واضحة مع أعمال الشغب التي مارستها "المعارضة العراقية" حينها، والمنطلقة من داخل الأراضي الإيرانية، واستغلت حالة الفلتان الأمني نتيجة انهيار المنظومة العسكرية العراقية، وانسحابها غير المنظم من الأراضي الكويتية، نتيجة الضربات الدولية القاسية ضدها.
هذه العناصر القادمة من إيران حاولت أن تُلبس هجومها على القوات الحكومية ثوب الطائفية الشيعية تحديداً، وسموها "الانتفاضة الشعبانية"، التي قمعتها الدولة حينها، وانتهت بقتل واعتقال وهزيمة غالبية المشاركين فيها.
هذا "التمرد" كان -فيما بعد- الأرضية لزراعة السموم الطائفية في التربة العراقية الخصبة، نتيجة الآثار القاتلة للحصار والعقوبات الدولية.
المرحلة الثالثة: تمتد من العام 2003 وحتى يومنا الحاضر. ويمكن تسميتها بمرحلة "قطف ثمار المرحلة الثانية"؛ إذ إن هناك العديد من الأطراف السياسية التي لها أهداف استراتيجية وحزبية وشخصية، تحاول سحب المجتمع إلى ضفة الطائفية، ظناً من هذه الأطراف أن العزف على هذا الوتر سيزيد من الانقسام المجتمعي، وبالتالي يمكن التحكم بالجماهير والسير بها لأي وجهة يريدونها.
هذه المخططات الشريرة -إن نُفذت على أرض الواقع، أو قُدر لها النجاح- يمكن أن تكون نتائجها تدميرية تخريبية. لكن السؤال: هل نجح هؤلاء في مسعاهم التدميري؟!
لا شك أنهم حققوا بعض النجاحات، نتيجة الإلحاح الإعلامي والسياسي. لكنهم لم يتمكنوا من النجاح إلى درجة أن نرى الطائفية كظاهرة واضحة في الشارع العراقي، وذلك للأسباب الآتية:
- طبيعة الشخصية العراقية الحكيمة والودودة والنقية، التي لا تعرف الحقد والكراهية.
- قناعة غالبية شيعة العراق أن هناك مؤامرة تقاد ضدهم بحجة الدفاع عن المذهب.
- البعد العشائري والعلاقات الاجتماعية السابقة، جعلا من إمكانية فتح أبواب الخلاف بين الطوائف صعبة جداً.
- وجود قيادات اجتماعية وسياسية وإعلامية عاقلة، بينت للجمهور حقيقة هذه المؤامرة.
كل هذه الأسباب وغيرها ساهمت في دحر وإفشال المشروع الطائفي الغريب عن الروح العراقية الأصيلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر للكاتب (ابتسام الغاليه)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    اشكر ردك على تعليقي الذي من خلاله أدركت أن ماطرح فيه متوافق مع ماجئتم به وهذا شرف لي وحملني مسؤلية إضافية بأن ابذل المزيد لاكون عند حسن الظن بكل ماتطرحوه لخدمة قضية بلدنا العزيز الذي يستحق منا بذل الأرواح فداء له دكتور جاسم ردودك على تعليقات القراء خطوة نحوى خلق تفاعل بينك وبين القارئ وليكون حافزاً له لتقديم الأفضل ومن خلال ردك على التعليق ستعرف المعلق بااهمية تعليقه بالنسبة لك ربي يحفظك
  • »ردود (الكاتب: د. جاسم الشمري)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    تحية لكل القراء الاعزاء
    1. اخي هاني سعيد لاشك ان ما تقوله حقيقة لكننا يجب ان لا نزرع اليأس ويجب ان نزرع الامل في قلوب وروح الامة تحياتي.
    2. صديقي سرمد كلامك واقعي ويبدو ان هذا قدر العراق، يذبح على يد أهله في الماضي والحاضر تحياتي.
    3. الى صديقي الموسوعة الحرة انا احترم رأيك رغم عدم اتفاقي معه لكنني ارى ان الامور خلاف ما تقول واتمنى ان نقرأ التاريخ بتجرد.
    4.ليلى الجزائرية شكرا لك فعلا الامور متداخلة وينبغي التنبيه على خطورتها تحياتي.
    5. السيدة ابتسام فعلا الساسة لم يتمكنوا من فك النسيج العراقي المترابط كذلك لم يتمكنوا في فك لحمة الشعب لأن الشعب وببساطة كشف اللعبة واتضحت لهم حجم المؤامرة التي دبرت لتخريب النفوس قبل تخريب البلد العراق
    شكرا لك ولكل الاحباب القراء تحياتي لكم واحترامي
  • »الطائفبة موجودة في كل البلاد العرببة (هاني سعيد)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    نعم الطائفية موجودة في جمبع البلاد العربية لأنها دولةمتخلفة ما زالت
    وستبقى وستظهر بجلية واضحة بعد انتهاء بقيت الانظمة الحالية لأنها هي التي تزرع بذور الطائفية حتى لا تستمع الشعوب في حال زوالها وستثبت الابام ذلك كما اثبتت في الحقبة الماضية
  • »الى تعليق اخطاء الخارج (سرمد الطائي)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    العراق في زمن الانتفاضة الغوغائية كان يغلي من الداخل وكان يراد له الدمار والخراب وكل ذلك بسبب ما تسمى المعارضة العراقية
    شكرا للشمري الذي كتب الموضوع بحيادية وموضوعية كبيرة
  • »اخطاء الخارج (الموسوعة الحرة)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    لا تحمل الخارج اخطاء بلادك الداخلية ولو كانت العدالة والمساواة حاضرة بين الجميع عند تأسيس الدولة العراقية عام 1920 لما وجدنا هذا التناحر والصراع...ثورة 1991 من اعظم الثورات التي ارادت ازالة الكابوس عن صدر العراق الحبيب ...عليك التحرر من آثار الماضي البغيض حتى ترى الاخرين بعيون نقية تحمل المحبة لهم! ...دمت بخير
  • »الطائفية والعنصرية (ليلي الجزائر)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    بااعتقادي البسيط ..ان الطائفيه صارت ذاك السم المدسوس كعلاج لمرض العنصريه بشكل ديني ومذهبي.. ولايختلف وضع العراق عن وضع اغلب الدول العربيه حيث يراها المفسدون ككعكه شهيه يجب الانفراد بها ويقف امام هده الرغبه. اراده الشعب بجعلها ممتك عام لا يجوز المساس به.. غير ان هدا الشعب قد تضعف ارادته امام هدا الزحف الهجومي للتفرقه..
    هل من حل جدري?
    دام العراق اماما للجميع
  • »الطائفية والفوضوية (ابتسام الغاليه)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    انا ولكوني أعيش في الداخل وعايشت ظروف البلد منذ الإحتلال ولغاية الآن مررت بعدة متناقضات ظهرت على الواقع العراقي وهذه المتناقضات كانت دخيلة على الشعب العراقي لم يفكر بها يوما لكنها جاءت نتيجة انعكاس الوضع المؤلم بعد أن انعكست تصرفات بعض الساسة الطائفية والفوضوية عليها وانقياد البعض إلى ما نادى به بعض الساسة أن هولاء لم يتمكنوا من فك النسيج العراقي المترابط كذلك لم يتمكنوا في فك لحمة الشعب لأن الشعب وببساطة كشف اللعبة واتضحت لهم حجم المؤامرة التي دبرت لتخريب النفوس قبل تخريب البلد العراق كبلد ليس له دخل بالطائفية ولم يتأثر بالطائغية لأن العراق يمثل لنا الإنتماء وأبناء العراق وبغض النظر عن اتجاهاتهم يعتزون باانتمائهم لهذا البلد والدليل فرحة العراقيون عند فوز المنتخب العراقي ايام الطائفية الكل وضع خلافاتة جانبا وفريحو بفوز البلد أحب أن أذكر حالة في منطقتي وعندما غادرت بعض العوائل وتركت منازلهم بحجة الطائفية تالمنا كثيراً لرحيلهم وفرحنا بعودتهم هذا هو العراق وهؤلاء هم العراقيون الشموخ عنوانهم ويبقى انتماءنا وحبنا للعراق هو الأول والآخر ولايفرقنا الاعادي وأصحاب النفوس المريضة دكتور جاسم تشخيصك للحالة وتحليلك لشخصية المواطن العراقي على مستوى من التقدير والمسؤولية وتقسيمك للمراحل الزمنية في انتشار الطائفية تقسيمات ذكية نعم الطائفية كانت موجودة لكنها لم تكن ظاهرة للعيان فهي كانت نائمة لعن الله من ايقظها مقالك أكثر من رائع واؤيد ماجئت به ربي يحمي العراق وأهله من الفتن ماظهر منها ومابطن وحفظك الله للعراق فأنت لسانه الناطق بالحق