اللامركزية ومستقبل المحافظات

تم نشره في الأربعاء 29 نيسان / أبريل 2015. 11:00 مـساءً

د. شهاب الشياب*

أحالت الحكومة قانوني اللامركزية والبلديات إلى مجلس الأمة في 8 آذار (مارس) الحالي. وتباشر وزارة الداخلية، اعتبارا من 10 آذار (مارس) الحالي أيضاً، اختبار ثلاث محافظات، هي إربد ومادبا والكرك، لتكون نماذج ريادية لتطبيق قانون اللامركزية، حيث يصار إلى عقد اجتماعات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني هناك، لتقييم احتياجاتها التدريبية على تطبيق نظام اللامركزية.
وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ضرورة العمل على تطبيق نهج اللامركزية في المحافظات، وبناء القررات اللازمة لذلك على المستوى المحلي. وشدد جلالته على توجيهه المستمر للحكومة بالتواصل مع المواطنين في المحافظات كافة، وأهمية الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة لهم وإشراكهم في صنع القرار، وتحديد الأولويات والمشاريع التنموية في محافظاتهم.
وذكر وزير الداخلية حسين المجالي "أن اللامركزية هي أداة لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة، وجعل المواطن شريكاً أساسياً في اتخاذ القرار المتعلق بمستقبله المحلي". وذكر أن مشروع اللامركزية لا ينتقص من الدولة، لأنها (اللامركزية) "محصورة بالشؤون الإنمائية والخدمات، ولا تطال أبدا المسائل الكبرى المتصلة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية".
كذلك، أشار وزير الشؤون البلدية وليد المصري إلى "أن اللامركزية المقترحة تتضمن تفويضاً للصلاحيات، وليس منحها الكامل، على اعتبار أن التجربة الأولية ستخضع للتقييم لتجاوز السلبيات مستقبلا..".
وتأسيساً على ما سبق، أرى أنه لا بد من التنويه إلى الفرق بين السلطة المركزية والمجالس اللامركزية، وتسمى أيضاً السلطة اللامركزية. ومن ثم العلاقة بين السلطتين، لتتضح أهمية اللامركزية للصالح العام.
فالسلطة المركزية هي سلطة ذات سيادة. وهذه السيادة تعني سلطة مطلقة في جميع جوانب الحياة في اتخاذ القرار المناسب لها، من دون مشاركة مجتمعية في كثير من الحالات، وبذلك تنفى العلاقة بين دولة ومجتمع. والسلطة المركزية عندما تفوض سلطتها إلى هيئة أو حكومة مركزية، ستؤدي بأفراد المجتمع إلى أن يفقدوا حريتهم الفكرية.
والسلطة المركزية هي من أكبر القوى التي تهدد تصدع المجتمع، حيث يسود فيها القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والمدينة على القرية... إلخ. وقد وُجد هذا النظام في العصور القديمة.
أما السلطة اللامركزية، فهي نتيجة تسهيل أو تخفيف السلطة المركزية في العاصمة، أو هي أن تتنازل السلطة المركزية عن بعض القوانين للسلطة اللامركزية لممارستها كوكيلة لها.
وهكذا تتدرج اللامركزية إلى المستوى المحلي (المحافظات)، علماً أن الكلمة الأخيرة للمرجعية المركزية أو السلطة التنفيذية في العاصمة، بمعنى أنه ليس هناك مجال لاستقلال ذاتي على أي مستوى. وهذه السلطة اللامركزية تفتح السبل لتعزيز الإنتاجية والنمو للقيام بالإصلاح بأنواعه (الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي... إلخ) للمحافظات، لاسيما بعد اختيار ممثلين عنها، مما يجعلهم مدينين لهؤلاء الذين انتخبوهم.
ويسود التعاون بين السلطتين في المجالات المذكورة، ومن ذلك على سبيل المثال، أن ترى السلطة اللامركزية أن تكون عوائد الضرائب التي تُحصل من أصحاب الأموال عائدة على المحافظة، سواء في قيام مشاريع إنتاجية، أو في إنفاقها على المصالح العامة، اهتداء بالمبدأ القائل: "إن ما يمس الجميع (في المحافظات) يجب أن ينال موافقة الجميع"، أو بمعنى أن ما يؤثر على الجميع ينبغي أن يقرره الجميع في المحافظات. وبهذا التوجه سيشجع المواطنين على دفع ضرائبهم، إيمانا منهم بأن المال سوف يستخدم بطريقة أكثر شفافية ومسؤولية.
بالإضافة إلى ذلك، ترى المجالس اللامركزية أن من العدل توزيع المنشآت والاستثمارات جغرافياً على المحافظات، وهذا ما يدفع المستثمر إلى إقامة مشاريع فيها. وتقوم هذه المجالس بتسهيل الموافقة بعد استشارة المرجعية المركزية، لأن سلطة اللامركزية ترتبط بالتنمية وأهدافها، وليس بالناحية الإدارية البيروقراطية.
وتحكم العلاقة بين الحكومة والمجالس اللامركزية للمحافظات، قانون أو قوانين صادرة عن السلطة التشريعية، وليس على شكل نظام يؤدي إلى تجاوز دور السلطة التشريعية في أكثر الأحيان، وجعل هذا التحول محتكراً في يد السلطة المركزية.
لذلك، أرى أن يكون جميع أعضاء المجالس اللامركزية منتخبين من السكان المعنيين، وبذلك تكون الحكومة قد أرخت قبضتها المركزية وشجعت المواطنين في اتخاذ القرار.
ويستقيم الأمر بمراقبة مجلس الأمة، بالإضافة إلى الصحافة، للتأكد من معرفة ما تقوم به هذه المجالس. وبهذه المراقبة لا تكون السلطتان في حالة خلاف.
وإن تنازل الحكومة عن المزيد والمزيد من سلطاتها للمحافظات، سيكون من أهم جوانب الإصلاح، بل وبناء الديمقراطية.
*أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة اليرموك سابقا

التعليق