ابن عمي الذي مات في البحر

تم نشره في الجمعة 1 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً

زينة الآغا * – (بانكوك بوست) 23/4/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في الشتاء الماضي، توفي ابن عمي الذي كان على متن سفينة مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط. وكان ابن عمي، أمجد، خريج هندسة في السادسة والعشرين من العمر. وكانت عائلتي قد تعرضت للتطهير العرقي وشردت من فلسطين في العام 1948، حيث استقرت بعد ذلك في دمشق. ومنذ العام 2011، تورطت عائلتي في حرب ليست من صنعها ولا لها يد فيها. وهناك، يصبح الطعام والماء والتدفئة والأمن والأمل، كلها مجرد كماليات، والتي تزداد ندرة يوماً بعد يوم.
في تشرين الأول (أكتوبر)، ذهب أمجد من سورية إلى تركيا، وهناك دفع ما يزيد على 1000 دولار لكي يتمكن من ركوب قارب صغير إلى اليونان، كل ذلك على أمل الوصول إلى أوروبا والاستقرار فيها. وبينما تظل التفاصيل ملتفة بالضباب، فإنه يعتقد أن القارب أعيد من الساحل اليوناني. وفي طريق العودة، انقلب القارب وغرق كل من كان فيه.
في الأثناء، أستطيع أنا أن أشتري ثمار المانجو وجوز الهند في كانون الأول (ديسمبر)، وأرتاد جامعة كبرى، وكل فكرتي عن المشكلة هي أن البرتقالي هو لون الأزياء السائد على شبكة "نتفليكس". وليس ابن عمى وأنا مختلفين –لدينا نفس التكوين الجيني، ونتحدث بنفس اللغة ونعتنق نفس الدين. ومع ذلك، يعطيني جواز سفري البريطاني الحصانة والحرية كلتاهما على حد سواء، بينما هلك ابن عمي وهو يحاول الفرار من حرب أهلية دموية.
لا تعني الحدود، ولا ينبغي أن تعني شيئاً: إنها موجودة هناك بالصدفة، وأنا هنا وهم هناك بالصدفة. فأين هي العدالة في هذا؟
هؤلاء المهاجرون، الذين يموتون بالمئات على متن القوارب التي هي فخاخ موت، هم من بين أكثر الناس ضعفاً وانكشافاً في العالم. ومع ذلك، يتحدث إعلامنا وساستنا عنهم كما لو أنهم قذرون، غير مرغوبين –أو الأسوأ- غير مرئيين من الأساس. وتعطي الصحف أعمدة لأشخاص مثل كاتي هوبكنز، وتنشر صحائفهم الصفراء عن النازية الجديدة، بينما نخصص قدراً أقل بكثير من وقتنا للتساؤل عمن يكون هؤلاء الناس المعبون، ولماذا يلجأون إلى مثل هذه الرحلة المهلكة، وما الذي يمكن فعله لرفع المعاناة عنهم. كما أننا نخفق بلا توقف في طرح السؤال الأكثر أهمية على الإطلاق: لماذا لا يتم فعل أي شيء لمساعدتهم؟
بدلاً من ذلك، يتحدث ساستنا –بل وحتى أولئك الذين يفترض أنهم من "اليسار"- عن الهجرة من زاوية إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية. كما حولت وسائل إعلامنا "طالب اللجوء" إلى كناية عن "لص الفائدة". وجماعات اليمين المتطرف في صعود الآن عبر أوروبا، والجرائم المرتبطة برهاب الإسلام والمدفوعة بدوافع عنصرية أخرى آخذة في الازدياد.
إن لا مبالاتنا تجاه أولئك الذين يموتون في البحر المتوسط تلخص هذا التعصب المتزايد. ونحن نتحرك بشكل حتمي نحو نقطة حيث نعبد الحدود والأمن ونرفعها فوق الحياة البشرية، وحيث يتم تجاهل الملونين والسود على الدوام باعتبارهم "الآخر".
إنما نمتلك الجرأة لنستخدم عبارات مثل "حقوق الإنسان"، بينما يتم ترك الناس المكشوفين أمام الخطر ليموتوا على أعتابنا، ويتم احتجاز أولئك الساعين إلى اللجوء في مراكز احتجاز غير قابلة للسكن البشري إلى أجل غير مسمى.
إن حقيقة عدم رغبة حكومة المملكة المتحدة في المساهمة أو المشاركة في عمليات إنقاذ هذه القوارب هي شأن يستحق الازدراء. إن علينا واجب المساعدة، ليس فقط بسبب دور بريطانيا التاريخي والمتواصل في تلك البلدان التي تمزقها الحرب ويضربها الفقر، وإنما لأن الناس في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن يكونوا بصدد مواجهة الموت في قوارب متداعية، أو يعبرون القارات بحثاً عن حياة أفضل على هذا النحو.
أكثر من 1.500 مهاجر قضوا نحبهم في البحر خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. وجريمتهم؟ التطلع إلى الاستقرار في قلعة أوروبا. إننا لا نتملك الحق في التقليل من شأن محنتهم أو تجاهلها، ناهيك عن لعب دور الله وتقرير ما إذا كان يجب أن يعيشوا أو يموتوا. كم من المهاجرين مجهولي الهوية والأسماء والوجوه يجب أن يغرقوا في مياهنا بعد قبل أن تتحمل أوروبا مسؤولياتها؟
اليوم، قالت الأمم المتحدة أن 800 مهاجر على الأقل قضوا في البحر نتيجة للمأساة الأخيرة. ولعائلتي، تسبب موت أمجد بالكثير من الألم. وعندما أفكر بما حدث للتو، وبكيف تكرر هذا الحزن نفسه بلا داع، مضروباً في 800 على الأقل، فإنني أجد ذلك أثقل كثيراً من إمكانية تحمله.
*شاعرة وكاتبة، وخطيبة وناشطة فلسطينية-عراقية.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 My cousin died at sea, trying to flee Syria's horrors

التعليق