أيمن الصفدي

أجيال الضياع

تم نشره في السبت 2 أيار / مايو 2015. 11:09 مـساءً

العراقيون الذين يقاتلون تحت ظلامية داعش اليوم شبّوا أو وُلدوا بعد كارثة الغزو الصدّامي للكويت. أطلقت هذه الخطيئة معظم الأحداث التي هزّت أركان الاستقرار الإقليمي. الفكر الظلامي الذي غزا المنطقة مذذاك تكرّس خلال سنوات الحصار ثم الحرب التي همشّت المجتمع السني وأفقدته الأمل.
جيلٌ كاملٌ نشأ محروماً محاصراً غاضباً. خلال سنوات الحصار الذي لم ينتهِ إلا بشكلٍ متدرّج بعد احتلال بغداد في العام 2003، حُرم العراقيون الذين كانوا للتو خرجوا من حربٍ مدمرةٍ مع إيران كل مقومات الحياة. لم يعانِ النظام البعثي آنذاك وجع الحصار. دفع ثمنه الشعب العراقي الذي نشأ مئات الألوف منه بلا مدارس أو آفاق، يطغى عليهم الشعور أن العالم تخلى عنهم.
بعد سقوط نظام صدام حسين، استعاد العراقيون الشيعة الأمل. وتمكّن الأكراد من ممارسة حقهم في الحكم الذاتي وإدارة شؤونهم في إطار هويةٍ فرعيةٍ تنفسّت بعد قمعٍ تاريخيٍ طويل.  فرصة إشراك سنة العراق في الأمل جزءاً من شعبٍ عراقيٍ يصوغ مستقبلاً ديمقراطياً كانت متاحة. لكن أضاعها قصر نظر الاحتلال الأميركي والسياسات الإقصائية التي يبدو أن عرّابيها لم يتعلموا شيئاً من تجربة وطنهم.
تغوّلت الظلامية عبر اليأس. وتمكّنت نتيجةً حتميةً لقتل الأمل بتغييرٍ يُنهي التهميش ويحارب التجهيل. باتت القوى الإرهابية جيشاً يحتل الأرض، وليس عصابات تقتل في العتمة فقط. صار خيار قهر هذه القوة الإرهابية المنظمة في مقدم ركائز استراتيجية دحر الإرهاب رغم عظم ثمنه. لكن الحلّ العسكري سيؤدي إلى ما هو أسوأ إن لم يترافق مع استراتيجية شاملة تحقّق الإصلاح السياسي والإنصاف الاجتماعي والتنوير الفكري.
ما حدث في العراق يتكرر في سورية اليوم. مئات الألوف من الشباب السوري في ساحات القتال وفي مخيمات اللجوء ينشؤون على القهر وغياب الأمل. جيلٌ كامل ينشأ مهدورَ الكرامةِ مسروقاً مستقبله. يتعاظم غضبه على النظام الذي اغتال مستقبله وعلى العالم الذي تركه لحاله يموت ويشقى.
بعد سنواتٍ سيكون هؤلاء جيشاً من الشباب المجهّل الغاضب اليائس. أي أنهم سيكونون خزّان مقاتلين لأي أيديولوجية تعرف كيف تجعل يأسهم قنابلَ متفجرةً ضدّ من يظنونه سبباً لمعاناتهم. ستكون مظلوميتهم دافعاً للانتقام من عالمٍ يعتبرونه خذلهم. سينشدون الحياة في عالمٍ آخر أفضل سيقنعهم الظلاميون أنّ سبيله طلب الموت في هذا العالم.
الإرهاب يتجذر تدريجيا. وحشيته مرآةٌ لوحشية البيئة التي أنتجته ولحجم الجهل المتمكن منها. كلما تعمّق اليأس اتسع الإرهاب أفقياً ليستقطب أعداداً أكبر، وعامودياً ليزداد وحشيةً وظلامية.
وعلى طريق المزيد من التيئيس تسير سورية. ما تشهده اليوم من تقاسمٍ للسطوة بشكلٍ يكاد يكون كليّاً بين نظامٍ وحشيٍ وإرهابٍ دماري سينتهي قتلاً للأمل وتعميماً للجهل وتجذيراً لمشاعر التهميش والحرمان. تلك هي البيئة التي يبحث عنها الإرهاب ليقوى ويتمدد.
يقدم العالم العربي والمجتمع الدولي ذرائعَ متعددةً للفشل في وقف الحرب الأهلية التي تمزّق سورية. وقف نزيف الدم بات يتطلّب توافقاً دولياً غير متاحٍ في ضوء تضارب المصالح وتناقض الأهداف بين قوىً إقليميةٍ أحالت سورية ساحةَ حربٍ لمعاركها وصراعاتها.
لكن لا شيء يُبرّر عدم إنقاذ ملايين السوريين في مخيمات اللجوء وضيق الهجرة القسرية. ترك هؤلاء لليأس والجهل والإحباط سيكلّف المنطقة والعالم أكثر بكثيرٍ مما يتطلّبه توفيرُ سبل العيش الكريم والتعليم والطبابة لهم.
ليس تدمير المدن والشوارع ومحطات الوقود هو أخطر ما يجري في سورية. الأخطر هو التغاضي عن تربّي جيلٍ كاملٍ على القهر والحرمان. إعادة بناء المدن سيكون متاحاً وبكلفٍ ستكون متوفرة. لكن إعادة بناء الإنسان سيستغرق أجيالاً لا تحتمل المنطقة ثمن ضياعها وغضبها ويأسها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جيل الصياع والضباع (محمد عوض الطعامنه)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    لكي لا نتحول الى ضباع


    لم يكن يخطر في بال علماء التنوير ، ولا أساتذة الدعوة الى العلم والتفكير في طليعة القرن التاسع عشر وما تلاهم مثلهم من الأدباء والمصلحون الإجتماعيون أن يصل الإنحدار الثقافي ، والتمزق الفكري والإجتماعي بسلفهم الى هذه الحدود الدنيا ، التي نشاهد فيها اختلاط وإختلاف في تعريف الحقيقة التي تقود الى الوفاق وحسن السبيل .أو تعريف بيّن يتفق الناس عليه جمعاً يسهل علينا التفريد بين الحق والباطل من جهة ،وبين الطريق السوي والمتعرج السافل من جهة اخرى .!
    قالوا ان العلمانية هي الخيمة الساترة الواقية من التيارات الفكرية والسياسية ومثلها نقيضتها المعتقدات الأثوقراطية المقدسة وغيبياتها ، وعليه ولّد المجتمع من ركب خيلها ودافع عنها ولم تمض عقود قليلة حتى ترجل هؤلاء الخيالة عن مراكبهم ، عندما عمت الأفكار الحزبية المختلفه ،فتدافع العرب للإندماج في هذه الأحزاب بحماس وتهور تعوزه الحكمة والروية والتبصر ، ولم تمض عقود حتى تحولت هده الأحزاب الى طواحين تطحن بعضها بعضاً . تقوقع البعض عن مقارفة السياسية عندما حكمتنا سنين كان المواطن يُحاكم لكونه حزبي ، حتى اصبح هذا المجتمع ممزقاً مطحوناً من داخله يبحث عن المخلص .
    ..... وظهرت فجأة في دنيا العروبة شخوص بارزة من المُخلْصَين...... ومضت السنين فتحولوا من مخلصين الى متألهين ولم يبق ثمة من فرص لنا إلا ان نعبدهم من دون الله ............. يوم اتنتفضت العامه وتذكروا انّ لهم الله واحد لا شريك له . .........فتشكلت في السر تلك الأحزاب الإسلاميه على إختلاف مناهجها وطرائقها التي هي الأخرى اعتقدت انها بوجودها المقدس ورسالتها التي استقتها من السماء يجب ان تحكم افكار ابناء الأرض جميعاً ليس بالحسنى ولكن بحد السيف ........ عندها تحركت الأرض وزلزلت تحت اقدامنا ، يوم تهنا كيف نمضي واين المسير . وبالمقابل اضمرت البشرية الشر والوعد بالإنتقام والضُر . وها نحن اليوم نتجرع كؤوس انتقامهم وضررهم .
    ........ هنا وعند هذا الحد نتذكر انا في الحقيقة انجبنا ما سماه الأستاذ الكاتب ( بجيل الضياع ) وانا اسميه بجيل الصياع والضباع .... وقد تحدر وتنسل من اصلاب كل الذين ذكرتهم بأعلاه بكل ما تركوه لنا من تناقضاتهم التي تتشابه كثيراً بمن يحرثون في البحر .
  • »عاش الزعيم (خالد صالح)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    كلمة السر هي ببساطة الديكتاتورية وحكم الفرد،اذا ذهب الملهم والزعيم ذهبت البلاد في ستين داهية،بعد الاستقلال ،لم يتعلم العرب كيف يحكموا انفسهم او يحافظوا على اوطانهم،يحتاجون الى قوى عابرة للقارات لتحمي الفرد والنظام،القضية ليست شيعة واكراد،القضية هي فشل هذه الأنظمة في خلق دولة المواطن وليست دولة الملهم العبقري!!!!!