علاء الدين أبو زينة

الوطنية ليست شعارات فقط

تم نشره في السبت 2 أيار / مايو 2015. 11:07 مـساءً

البعض يفهمون الانتماء للوطن بأنه الإعلان عن قبول الموت في سبيله بلا تردد. والبعض يتصورون قمة الانتماء هي ترديد الأهازيج الوطنية وتمجيد مختلف الرموز. وآخرون يتصورون أن المسألة تتعلق بترديد الشعارات الخطابية وادعاء الغيرة الحصرية على البلد. وفي الحقيقة، هذه كلها تعبيرات مشروعة عن الانتماء. لكنها تبقى، في نهاية المطاف تعبيرات مجردة ورمزية، إذا لم تؤكدها الممارسة في الحياة اليومية.
رأيت في إحدى المؤسسات مشهداً أثار بعض الأفكار حول هذه المسألة. كان أحد المراجعين شابا جاء في زيه العسكري وعليه رتبة متوسطة. وقد افتعل بوضوح مشكلة مع موظف، لأنه ذهب ليستفسر عن شيء وعاد، فوجد أن شخصاً آخر أصبح على شباك إنجاز المعاملات. وقد حاول الموظف الاعتذار وتحدث بكياسة، لكن ذلك لم ينفع. وعندما خرجت الأمور عن الحد ووصلت إلى السباب، جاء المدير واعتذر للعسكري ودعاه ليذهب معه حتى ينجز له معاملته بنفسه، وذهب الشاب وهو يشتم ويحاول العودة لضرب الموظف.
لو لم يكن الموقف متوتراً أصلاً، لأحببت أن أقول للشاب الغاضب إن الزي الذي يرتديه يجب أن يملي عليه الهدوء وضبط النفس، لأنه يمثل مؤسسة ينظر إليها كل المواطنين بالمحبة والاحترام. وفي الحقيقة، يتطلع الناس إلى الجنود وأفراد الأجهزة الأمنية لطلب المساعدة قبل أي أحد آخر ويتوقعون منهم أن يكونوا دائماً هناك من أجلهم. ولذلك، تصورت مثلاً أن لا يمانع العسكري إذا تأخر دوره دقيقتين، وحبذا لو ابتسم أو عاتب بلطف. لكنني تذكرت كم نصادف بعض الأخوة الذين يقصدون مراجعة الدوائر بالأزياء الرسمية لكي يأخذوا أدوار الآخرين في الأساس.
تمتلئ حياتنا اليومية بممارسات متناقضة من أنواع مشابهة. على سبيل المثال، نرى شخصاً زرع سيارته بالأعلام وأطلق الأهازيج الوطنية بعلو الصوت من سماعاته في عيد وطني، لكنه لم يترك مخالفة لقواعد السير وآداب الطريق إلا ارتكبها، وهدد سلامة مواطنيه في كل لحظة. ونجد آخر مستعداً لـ"تكفير" مواطنه إذا احتج على شيء أو انتقد شيئاً، دون أن يتكلف عناء تأمل مظلمته ومدى عدالتها. وهناك كثيرون يتبنون خطابات تفريقية أو عنصرية أو طائفية، من شأنها فقط أن تمزق جسم الوطن، متذرعاً بقوة الانتماء والغيرة على الوطن.
الوطنية والانتماء تتحدد صدقيتها بأشياء أكبر قرباً بكثير، تماماً مثل أي معتقد تكذبه أو تصدقه الأفعال. وكما نقول عن الدِّين أنه المعاملة أولاً –وهو كذلك فعلاً- فإن الانتماء معاملة وسلوك أيضاً. لا يحق لأحد ادعاء الانتماء وهو يخالف القوانين، ويغش في الخدمة أو السلعة أو الوظيفة، ويستخدم الواسطة، ويميز ضد مواطنيه، ويستعمل وظيفته لمكسب شخصي أو محسوبية. ولا يمكن أن يكون أحد وطنياً وهو يخرّب الممتلكات العامة، ويرمى القمامة في الطريق، ويهدد سلامة الآخرين، ويسرق أغطية المناهل وأسلاك الكهرباء، أو يستغفل مواطنيه في كل مناسبة.
في بلدان أخرى، يسمحون للكل بانتقاد سياسات حكومتهم، وقد يكونون هم في المعارضة أو في السلطة -سيان. لكن أحدهم لا يقطع الإشارة حمراء عند الفجر لأن أحداً لا يراه؛ ولا يقطع أشجاراً من حرش قريب في غفلة عن العيون؛ ولا يرمي قمامته في متنزه عام؛ ولا يكذب أو يجامل في العمل. وباختصار، تجده يحس ويتصرف فعلاً وكأن كل شجرة وحجر وطير وشارع في بلده هو ملكه الشخصي. وحيث يسود هذا النمط، لا خوف على بلدٍٍ هؤلاء مواطنوه.
سنفكر حتماً بأن الإخلاص في العلاقة بين المواطن والبلد لا بد أن يكون متبادلاً. يجب أن تشعر في بلدك بالأمن الشخصي والاجتماعي، وأن تكون فيه كريماً ومحترماً وغير خائف من أحد أو شيء. يجب أن تعرف أن أيا كائن لن يستطيع أن يتعالى عليك، أو يأخذ فرصتك، أو يظلمك أو يأكل عليك حقك، لأن القانون يضعك على قدم المساواة مع أي خصم أو صديق. يجب أن تشعر حقاً بأن كل حجر وشارع وحي وشجرة هي لك بحيث يعز عليك أن يطالها الأذى، مثلما تحمي بيتك وأولادك. وسيتحقق ذلك إذا تحددت الواجبات والحقوق بدقة لا تقبل التعمية، بالنسبة للمواطن و"الوطن". لكن الجزء الخاص بواجب المواطن وحصته من المحبة، يجب أن يتجلى في العمل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوطنيه (بشير ابوالذهب)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    الوطنيه تبدأ بأن لاتخون وطنك وتبيعه لعدو ما ،فهذا اهم ما في الوطنيه. اما الصفات الشخصيه السيئه للمواطن فهي لاتعني بانه ليس وطني لان السبب الحقيقي يكمن في التربيه والبيئه التي تربى بها ونشأ عليها منذ ان ولد. لذا يجب ان ننظر للشعوب المتقدمه والراقيه كيف تربي ونشئ اجيالها ونتعلم ونأخذ منهم افكارهم وطريقتهم في التربيه، فهذا ليس غلط ولا يحسب علينا بل بالعكس يجب ان نلحق بالركب لاننا تأخرنا علبه كثيرا..
  • »الانتماء....اكبر من التطبيل والتزمير (ابو ركان)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    شكرا على هدا المقال ...اصبت عين الحقيقة.
  • »الحقوق لا تقبل التعمية (إبراهيم أمين)

    الأحد 3 أيار / مايو 2015.
    هذه مقالة تدق المسامير كلها على رؤوسها لتغرسها في أرضية الحقيقة التي لا ينكرها إلا مكابر. هل لو أخذ كل مواطن حقه سوف نجد هذا الكم الهائل من الشيكات المرتدة لأنها بدون رصيد؟ هل لو أخذ كل مواطن حقه نجد كل الأشجار المزروعة على جانبي الطريق مقتلعة أو مكسرة؟ هل لو أخذ كل إنسان حقه نجد التحايل على القانون هو سيد الموقف؟ يبدو أن تربيتنا بعين واحدة ترى ما لنا ولكنها لا تبصر ما علينا. وهذا لا يمكن أن يحقق العدالة المجتمعية. وإذا غابت تلك العدالة فكيف لنا أن نطمئن على حقوقنا وعلى وطننا ومن ثم على غدنا ومستقبل أولادنا؟ ليتنا نمتلك الحمية لنجيب عن هذا السؤال؟