أحلام اليقظة تسعد البعض وتثري حياتهم

تم نشره في الأحد 3 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً

ربى الرياحي

عمان- اعتادت أن تنسج لطفلها الصغير عالما خاصا به، يستطيع من خلاله الاستمتاع بلحظات السعادة الوهمية المؤقتة القادرة على أن تمنحه حياة جديدة ليس فيها سوى أحلام وردية غزلت بخيوط الأمل القادم من خلف السحب المتلبدة بالألم والقسوة والمرارة.
ربما لأنها كانت تشعر بأنها عاجزة عن تحقيق كل ما يريده أو يطلبه منها في الواقع، منتهزة براءته وعفويته وسعة خياله في إعطائه صورة مغايرة عن تلك الصورة الواقعية القاسية، التي يمكن أن تشعره دائما بالنقص، وبخاصة إذا كان من أولئك الأطفال الذين يميلون إلى الحياة المترفة البعيدة كل البعد عن لغة الحرمان الموجعة.
خوفها الشديد على مشاعره الغضة وروحه الحالمة الباحثة عن كل الأشياء التي من شأنها أن ترضيه وترضي طموحاته البسيطة المتمثلة في إيجاد بيت آمن دافئ يتسع لكل الألعاب التي يريد أن يقتنيها، كان يدفعها إلى إخفاء حقيقة وضعهم المتردي عنه، حتى لا يضطر لأن يغادر أحلامه التي تصر على أن تنثر في أعماقه شتى ألوان الفرح.
كل ما كانت تفعله مع طفلها المتطلب الحالم، هو أن تقنعه بأن يغمض عينيه، ليبدأ بتخيل كل الأشياء التي يرغب بتحقيقها، معتقدة أن اللجوء إلى هذه الوسيلة سيحل لها الكثير من المشكلات وسيجنبها شعور التقصير الذي ستلمحه حتما في عيني طفلها الحائرتين المنكسرتين، أمام حلم ضائع يرفض أن يتجاوز حدود الوهم لظروف صعبة قاسية خارجة على إرادتها لا تملك حتى تغييرها.
استمتاعه بتفاصيل الحلم المنسجمة مع ما يريد يدفعه إلى الاستغراق لدرجة أن الخيال لديه يختلط بالواقع. يداهمه النوم تدريجيا، لكنه عندما يستيقظ في الصباح يواصل حلمه المتيقظ الذي بدأه في الليلة الماضية، يرسم ملامحه كما يحب هو، لا كما تريد أمه، يطيل التأمل بتلك اللعبة التي حلم كثيرا بامتلاكها، منتظرا تحقيق كل الوعود التي من شأنها أن تسعده وتثري حياته الجافة المملة، وقبل أن يفكر بالعودة إلى حاضره المفتقر لكل الأشياء الجميلة التي يتمنى حدوثها، يستوقفه صوت أمه طالبة منه أن يستعجل حتى لا يتأخر على المدرسة، يغادر سريره والسعادة تغمر أنحاء روحه الواهمة وكأن ما حلم به متيقظا أو رسمه على شاشة الخيال هو الواقع.
الكبار أيضا يستمتعون بأحلام اليقظة ربما، لأنها قادرة على أن تمنحهم أملا جديدا بإمكانية تحقيق كل الأشياء التي سئموا انتظارها أو اعتقدوا أنها مستحيلة لن تغادر دائرة الأوهام المغلقة تلك.
لذلك يحاول الكثيرون منا تجميل حاضرهم البائس المؤلم، معتمدين في ذلك على خيالهم الخصب الرافض لأي حدود قد تمنعهم من ملامسة أحلام وأمنيات تقدم لهم فرصة الخروج المؤقت من كل الظروف الصعبة الطاحنة، لعلهم يستطيعون تعويض كل ما حرموا منه، تاركين العنان لرغباتهم أن تحركهم كيف ما تشاء، الأمر الذي يجعلهم يستسلمون تماما لملامح الحياة الجديدة التي تتيح لهم فرصة العيش في تلك القصور الفارهة. رغم أنهم ما يزالون يسكنون بيوتهم الضيقة المظلمة المفتقرة لأبسط سبل الراحة والرفاهية، فهم يجدون أن مواصلة الحلم أفضل بكثير من الوقوف عند اللحظة الحقيقية التي تتعمد دائما تذكيرهم بكل ما هو قاسٍ.
محاولة إحباطهم وإضعافهم ليظلوا قابعين في أماكنهم عاجزين عن تجاوز النسخة الأصلية من حياتهم إلى نسخة أخرى أكثر جمالا، فيها تفاصيل وصور جديدة لا تشبه أبدا ما عاشوه واختبروه من قبل، قادرة على أن تزيد من إيجابيتهم ليصبح بمقدورهم تحمل جميع الصدمات التي سيتعرضون لها حتما. فبالحلم دائما رغم انحساره، نخلق للحياة مرافئ ونبني لها جسورا ونخرجها من دائرة الاختناق، بالحلم أيضا ننغمس في حالة من الأسرار التي تغرينا بالبقاء داخل ذلك الإحساس المتنامي الذي يحرضنا باستمرار على أن نرتقي بأحلامنا لنكون كما نريد لا كما يريدون لنا أن نكون.

التعليق