د.باسم الطويسي

نزع القداسة عن المجتمعات

تم نشره في الأحد 3 أيار / مايو 2015. 11:07 مـساءً

استهلكنا وقتا طويلا في اختصار أزمة الدولة العربية المعاصرة وفشلها البائن للعيان، في ظروف نشأة هذه الدولة. ثم انشغلنا بثنائية الاستبداد والفساد. فيما غابت فكرة محاكمة المجتمعات العربية، والبنى الثقافية التي انتجتها على مدى قرن مضى.
التطور الأهم في فهم هذه الأزمة، تشير إليه التحولات العربية الراهنة، التي تضيف سبباً جديدا، وتنزع القداسة عن المجتمعات العربية؛ تلك المجتمعات التي غابت قرونا طويلة في عزلة عن التاريخ والجغرافيا حولها، وغُيبت عقودا طويلة، أيضا، تحت ظلال هياكل الدولة الوطنية.
إن حالة التشوه التي مرت بها المنطقة، لا تقتصر على شكل الدولة السياسي، ونظمها السياسية وتسلطها؛ بل نالت المجتمعات العربية أيضا. ومن دون الاعتراف بأزمة المجتمعات العربية؛ بأبعادها السياسية والثقافية، فإنه لا يمكن إنقاذ الدولة الوطنية العربية، أو بناء التنمية والتحديث.
ثمة جدلية مدركة في بحث جذور الأزمة، في العلاقة بين الدولة والمجتمع. إذ يذهب بعض القراءات إلى الفصل التعسفي بين أزمة الدولة وأزمة المجتمع. وإذا ما تم الاعتراف بالأخيرة، فعادة ما يقال إن الدولة قد أوجدتها وصنعتها. وبعض ما جاء في الجزء الأخير صحيح، لكن ليس على الإطلاق. فالمجتمعات هي التي توجد الدول، وإحدى وظائف الدولة استكمال بناء المجتمع.
إن تشخيص الأزمة في حدود العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع، يحتاج إلى أن نذهب نحو الاعتراف بأن المجتمعات العربية ورثت، تاريخيا، أزماتها ومشكلاتها السياسية والاقتصادية والثقافية؛ وأن الدولة التي أنشأتها هذه المجتمعات لم تقم بتجاوز هذه المشكلات على الأغلب، بل عملت على تهدئتها وتسكينها بحلول ترقيعية مؤقته في أكثر الأحيان. كما عملت هذه الدولة على إضافة المزيد من التشويه لبنية هذه المجتمعات ووظائفها، ما جعل بعض هذه المجتمعات أحد مصادر عدم الاستقرار، ومعاول لهدم الدول.
وتوضح التحولات والثورات العربية أهم مظاهر الانكشاف والعجز في العلاقة بين المجتمع والدولة، والمتمثل في الكلف الكبيرة للتحول الديمقراطي، وعجز المجتمعات العربية عن تقديم هذه الكلف؛ كما الانكشاف الكبير للمجتمع المدني والقوى الاجتماعية الحية، وهشاشة وجود الكتلة الديمقراطية التاريخية التي تأتي من التيارات والمرجعيات كافة، وتؤمن بالديمقراطية كآليات وقيم، وليس غاية (فالدولة القوية تحتاج مجتمعا مدنيا قويا). هذا إلى جانب ضعف هياكل القانون وإنفاذه، وعجز المؤسسات عن جعل القانون يعمل من أجل الجميع، وأداة في يد الجميع. أما الثقب الأسود في هذه العلاقة، فيتمثل في انكشاف الاندماج الاجتماعي، وعدم القدرة على تحويل التنوع الإثني والديني والمذهبي والاجتماعي، إلى مصدر من مصادر قوة الدولة.
لقد تناولت تقارير ودراسات عديدة صراعات العرب الخارجية. إلا أن هناك نقصا في دراسة أسباب وجذور الصراعات الداخلية وتحليلها، ولاسيما أن تنوع المجتمعات إثنيّا أو غيره، مما يسمى الولاءات الأوليّة، هو في الواقع السمة الغالبة في العالم، لا العكس. إذ تبيِّن الأبحاث العالمية أن المجتمعات القائمة على التنوع الاثني والديني الكبير، تشكل نحو 65 % من السكان في العالم، فيما لا تزيد البلدان المتسمة بالانسجام الاثني والديني عن 15 % من بلدان العالم. وهذا معناه أن تنوع الخلفيات الإثنية أو الدينية أو الطائفية في المنطقة العربية، ليس استثناء. فالمشكلة ليست وجود هذا التنوع في حد ذاته، وإنما في كيفية إدارة التنوع وقدرة المجتمعات على التكيف الثقافي مع هذا التنوع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نزع القداسه عن المجتمعات (سمير قايت)

    الاثنين 4 أيار / مايو 2015.
    اذا اراد الكاتب الكريم ان يعرف سبب تخلف وفشل المجتمعات العربية، فما عليه الا ان يختار عينه عشوائية من طلاب المرحلة الثانوية، ويتحدث معهم في اي موضوع، وسيكتشف ضحالة معلوماتهم في موضوع ،حتى المنهاج نفسه هم جاهلون تماما به...وسيشرحون لك انهم يدرسون للامتحان وليس للفهم، وسيشرحون ويتبجحون بفنون الغش التي يمارسوها.كيف تتوقع من امه ان تنهض وطلابها لا يفكرون بل يلقنون مواد دراسية لا يشجعون على فهما ولا يفهمونها.ع