العنف السياسي: إحالة كلمة الإرهاب على التقاعد

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • حافلة أشعل النار فيها محتجون في بنغلادش - (أرشيفية)

جيمس دورسي* - (ميدل إيست أونلاين)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

28/4/2015
ملخص
مؤسسو العديد من الدول الحديثة، بما في ذلك أنصار مكافحة الإرهاب مثل إسرائيل والحلفاء في الحرب على الإرهاب من أمثال الأكراد، كانوا قد حققوا أهدافهم من خلال ممارسة العنف السياسي الذي قتل الأبرياء، من النوع الذي يمكن أن يصنف اليوم إرهاباً. وبذلك، ينبغي الاعتراف بالعنف السياسي باعتباره انعكاساً للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عميقة الجذور -وليس الاكتفاء بمجرد شيطنته باستخدام مصطلحات مثل الإرهاب أو الشر.
التعليق
تتعقب المستندات الأخيرة التي كشفت عنها مجلة "دير شبيغل" الألمانية صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى شبكة من ضباط المخابرات العراقيين السابقين الموالين للرئيس العراقي السابق المطاح به، صدام حسين. وفي العام 2003، حُرم هؤلاء الضباط من وظائفهم وأصبحوا بلا أي آفاق للمستقبل، عندما قام الحاكم الأميركي للعراق آنذاك، بول بريمر، بحل الجيش وقوات الأمن البعثية. وقد تلقى هؤلاء المساعدة من ضباط الجيش والمسؤولين السوريين الذين رأوا فيهم كياناً عازلاً ضد محاولة أميركية مفترضة، كان يُخشى أن تطيح بالرئيس بشار الأسد.
تاريخ صعود "الدولة الإسلامية"، باعتبارها رفضاً سنياً متطرفاً للتمييز الذي مارسته الأغلبية الشيعية في العراق، والهيمنة القمعية للأقلية العلوية في سورية، يعيد إحياء فكرة "المقاتل من أجل الحرية بالنسبة لشخص، هو إرهابي بالنسبة لشخص آخر". والفكرة متضمنة على نحو مماثل في سياسات كل من الدول الغربية والأنظمة العربية المحافظة المعنية أولاً بمسألة بقائها على قيد الحياة. ولم يكتف هؤلاء بالتعاون مع حزب العمال الكردي التركي، ووحدات حماية الشعب الكردية السورية، وإنما قدم الخليج أيضاً دعمه للجماعة المتمردة السورية الجهادية "جبهة النصرة" العالقة في منطقة بين القتال ضد "الدولة الإسلامية"، وبين التمييزات الغربية بين المقاتلين الأجانب الخيرين والسيئين.
المقاتلون الجيدون والسيئون
"المقاتلون الأجانب السيئون": كان الغاضبون من الكلفة البشرية والسياسية لمكافحة العنف السياسي باستخدام حملة عسكرية بدلاً من حملة تكون سياسية في أغلبها، هم الآلاف الذين انضموا إلى صفوف "الدولة الإسلامية". و"المقاتلون الأجانب الجيدون"، هم أولئك الذين ذهبوا إلى سورية للقتال مع الأكراد ضد الجهاديين، خاصة في المعركة التي وقعت في العام الماضي من أجل المدينة الكردية السورية المحاصرة، كوباني.
تتضح هذه الفكرة أيضاً في تقرير المخابرات القومية الأميركية للكونغرس، والذي لم يعد يضم -للمرة الأولى منذ سنوات- إيران أو الحزب الشيعي اللبناني المدعوم من طهران، حزب الله، باعتبار أنهما يشكلان تهديداً إرهابياً لمصالح الولايات المتحدة.
إن قائمة القادة السياسيين المعترف بهم دولياً والممكن تعقب جذورهم إلى العنف السياسي والإرهاب طويلة. ومع ذلك، تبرأ هؤلاء وأسلافهم مما يسمى العنف السياسي بمجرد أن حققوا أهدافهم. وتشمل هذه القائمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تكمن جذوره الإيديولوجية، شأنه شأن القادة الإسرائيليين السابقين    مناحيم بيغن وإسحق شامير، في استخدام العنف السياسي والإرهاب في فلسطين قبل قيام الدولة، واللذين لم تكن دولة إسرائيل لتتأسس من دون استخدامهما على الأرجح. وكان كل من بيغن وشامير قائدين مطلوبين للعدالة في عصابة الإرغون، وهي مجموعة صنفتها سلطات الانتداب البريطاني آنذاك منظمة إرهابية.
بالمثل، ينحدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حركة صنفتها الدول الغربية لفترة طويلة على أنها منظمة إرهابية. وفي حين أنه لا شيء يبرر قتل المدنيين الأبرياء، فإن الاعتراف بالفلسطينيين كشعب له حقوق وطنية، وإنشاء السلطة الفلسطينية، ما كانا ليأتيا على الأرجح من دون الهجمات الفلسطينية على أهداف مدنية في الستينيات والسبعينيات.
وأخيراً، فإن حزب العمال الكردستاني، الذي يعد منظمة إرهابية من وجهة نظر أنقرة وحلفائها الغربيين، وكذلك نظيرته، وحدات حماية الشعب الكردية السورية، هما حليفان فعليان في الحرب ضد "الدولة الإسلامية"؛ المنظمة الجهادية التي تسيطر على رقعة من سورية والعراق، والتي تستخدم الوحشية كوسيلة للحكم. والقائمة أطول من ذلك بكثير: فكروا في حزب نيلسون مانديلا، حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وفي قادة الجزائر العجائز، أو الجيش الجمهوري الايرلندي.
القاسم المشترك الوحيد لكل هذه الأمثلة ليس الإيديولوجية، وإنما وجود مظلمة سياسية ومعتقد، قد يكون صحيحاً أو خاطئاً، بأن كل الاحتمالات كانت مكدسة ضد الكيان المعني، وأن العنف جاء كضرورة وليس كهدف في حد ذاته. إن العنف السياسي هو تكتيك يستخدمه في الغالب، وبنجاح في كثير من الأحيان، أولئك الذين يكونون في مواجهة قوة ذات قدرات عسكرية ساحقة لا قبل لهم بها.
لحظة من الوضوح
كل هؤلاء الرجال والجماعات الذين هم إما قادة سياسيون يتمتعون بالاحترام، أو في طريقهم للعودة إلى الحظيرة الدولية، كانوا ينظرون إلى العنف السياسي كوسيلة يستخدمها المستضعفون من أجل تأمين حقوقهم المتخيلة، ورفع ظلم ما، أكثر من كونه فلسفة إجرامية وممارسة يمكن تضمينها في استخدام كلمة الإرهاب.
في لحظة من الوضوح، أقرَّ وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، ضمناً بالسياسة الكامنة بهذا الصدد، عندما اعترف العام الماضي بأن المسلمين الأميركيين أكدوا له أن غياب السلام الإسرائيلي الفلسطيني يؤجج الغضب في الشوارع، ويساعد تنظيم "الدولة الإسلامية" في تجنيد المتطوعين. وقال كيري: "يجب أن يفهم الناس العلاقة في ذلك... إنه شيء له صلة بالذل والحرمان وغياب الكرامة".
كل هذا لا يبرر استخدام العنف السياسي وقتل المدنيين الأبرياء، أو الإيديولوجية المتطرفة والوحشية التي تتبناها الجماعات من نوع "الدولة الإسلامية". كما أنه لا يبرر التعذيب العشوائي لأعداد كبيرة من الناس أو الاغتصاب الجماعي للنساء كوسائل للسيطرة. غير أنه يميز، مع ذلك، واقعاً سياسياً مهماً قد يكون غير سار.
دحض فكرة نزع الطابع السياسي
ينطوي هذا الواقع على ضرورة الإقرار بالعنف السياسي على ما هو عليه، وفضح الجهود الرامية إلى نزع الطابع السياسي عن جذور العنف، والذي يخدم فقط في التهرب من مواجهة خيارات سياسية تكون مؤلمة غالباً، وتتعلق بمواجهة المظالم الكامنة. وهو ينطوي أيضاً على القبول بأن السياسة، وليس القوة العسكرية وإنفاذ القانون، هي التي توفر الأدوات اللازمة لإيجاد حل فعال للأوضاع التي تنتج العنف السياسي.
كما أنه يسلط الضوء أيضاً على حقيقة أن مصطلحات مثل "الإرهاب" و"محاربة ا لشر" تقوم بتحويل النضال ضد العنف السياسي إلى لعبة محصلتها صفر، والتي يتمثل النصر فيها في القضاء على البرابرة الذين يتمكنون، مع عدم حل المشكلات الجذرية، من التعافي والعودة مجدداً من النكسات، في تجليات جديدة أكثر وحشية بكثير.
التصريحات الرنانة التي يدلي بها القادة الغربيون، والتي تشخص العنف السياسي الذي يوصف بالإرهاب، لا سيما في حالة الجهاديين، باعتباره تهديداً وجودياً ونضالاً ملحمياً ضد شكل من أشكال الاستبداد مشابه لاستبداد الفاشية والشيوعية، عملت فقط على تعزيز جاذبية وقبول مرتكبي العنف الوحشيين، مثل "الدولة الإسلامية". والأرقام تتحدث عن نفسها: حيث يكشف بحث أجرته جامعة ماريلاند أن الهجمات الجهادية تضاعفت ثلاث مرات في العام 2013 مقارنة بالعام 2010.
ربما يكون العنف السياسي آفة، ومع ذلك، فإنه يبقى في الأساس فعل سياسة. ويعني ذلك إدراك أن السياسة -وليس القوة العسكرية بشكل غالب- هي الرد المناسب. وستكون إحدى الخطوات الأولى في اتجاه هذا الاعتراف هي إزالة مصطلح الإرهاب من النقاش، في محاولة لتحييد التحيز الإيديولوجي الذي يخدم المصالح الخاصة، ويقوم في أفضل الأحوال بتعقيد مهمة البحث عن حلول حقيقية للمشاكل الحقيقية.

*زميل رفيع في مدرسة س. راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS)، جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، والمدير المشارك لمعهد جامعة فورتسبورغ لثقافة المشجعين. وهو كاتب أعمدة، وصاحب موقع "العالم المضطرب لكرة القدم في الشرق الأوسط".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Political Violence: Retiring the Word Terrorism

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق