لماذا نحن أصدقاء؟

تم نشره في الأربعاء 6 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • تعتبر الصداقة إحدى أهم العلاقات في حياة الإنسان وتشكل دافعا وداعما مهما له في حياته - (ارشيفية)

نورا جبران*

عمان - يستخدم اليابانيون مصطلح kenzoku، وترجمتها الحرفية “الأسرة”، للدلالة على الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات وثيقة جدا، ويربطنا بهم المصير نفسه، ولا تربطنا بهم رابطة الدم.
بعض الأشخاص لديهم في حياتهم هذا الشخص أو الأشخاص الذين يمكن وصفهم بأنهم kenzoku، والذين لا يمكن أن تؤثر المسافة أو الغياب في علاقتهم، إلا أنهم يحتفظون لأنفسهم بمكان مهم وحاضر دائما، وتبقى الكيمياء بينهم في حالة تناغم وانسجام.
تعد الصداقة إحدى أهم العلاقات في حياة الإنسان، وتشكل دافعا وداعما مهما له في حياته، ومؤشرا على قدرته على التفاعل الاجتماعي بشكل صحي، وهي تؤثر في حياته بشكل كبير.
وتعد العلاقات صداقات حقيقية إذا ما توفرت فيها أربع سمات أساسية ومهمة، هي:
- الاهتمامات المشتركة: تعبر الاهتمامات المشتركة عن تناغم وانسجام في طريقة التفكير ووجود مبررات كثيرة لقضاء الوقت معا؛ حيث تجعلنا الاهتمامات المشتركة نقترب من أصدقائنا ونسعى لقضاء وقت أطول معهم لأننا نجد أنفسنا برفقتهم، ولكن حين لا تكون هناك اهتمامات مشتركة، فإن الوقت الذي نقضيه معهم يتناقص، والأحاديث التي نتبادلها تصبح أقل.
- التاريخ المشترك: رغم أن بعض الأصدقاء لا توجد بينهم الكثير من القواسم والاهتمامات المشتركة، إلا أن وجود تاريخ وخبرات وتجارب مشتركة، أي مرّ بها الأصدقاء معا، تساعد وبشكل كبير على بناء صداقات حقيقية وقوية، إذا توفرت فيها عناصر مهمة كالدعم والمساندة والاهتمام والوفاء.
- القيم المشتركة: رغم أن القيم والقناعات المشتركة غير كافية لبناء صداقة، إلا أن الاختلاف في القيم يجعل من الصعب استمرار الصداقة أو ازدهارها.
- العطاء المتبادل: إن الصداقات التي يستمر فيها طرف واحد في العطاء والدعم، بينما يكتفي الطرف الآخر بتلقي هذا العطاء والدعم والحصول على المنافع، بينما لا يقوم بتقديمها، هي صداقات من الصعب أن تستمر أو أن تصبح علاقات قوية وصحية، لأن أحد طرفيها سيشعر بالاستغلال والاستنزاف وعدم القدرة على الاستمرار في العطاء.
تنشأ بين الناس أشكال مختلفة من العلاقات، كالمعارف أو المصالح المشتركة، يسميها البعض صداقات بينما هي في حقيقة الأمر ليست كذلك، ومنها:
- المصالح والمنافع: تعد المصالح من أهم الأمور التي يمكن أن تتشكل العلاقات بناء عليها، كتبادل المنافع أو استخدام شخص لآخر لتلبية الاحتياجات، سواء كانت هذه الاحتياجات مادية كالاعتناء بالأطفال، أو تلبية متطلبات العمل، أو احتياجات عاطفية كالاستماع للهموم والمشاكل والآلام التي يمر بها الشخص أو يعيشها.
- الأشخاص المشتركون: يعتقد البعض أن التعرف على أشخاص جدد عن طريق أشخاص مشتركين، والالتقاء بهم، وقضاء الوقت معهم، أو حتى لو قاموا بمساعدتنا في أمر، أو الخروج معنا بدون وجود الصديق المشترك، لا يعني أن هؤلاء الأشخاص قد أصبحوا بالضرورة أصدقاءنا، ولا يعني أن نتوقع منهم معاملتنا كأصدقاء، ولا ينبغي أن نُصاب بخيبة الأمل حين لا يكونون كذلك، فالصداقة لها معايير وسمات أكثر عمقا وقربا.
- العداوات المشتركة: ينشأ هذا النوع من الصداقات بين الأشخاص الذين تجمعهم عداوة أو كره لشخص أو مجموعة معينة، على قاعدة “عدو عدوي صديقي”، بغض النظر عمّا إذا كانت بيننا اهتمامات أو قيم مشتركة، كالصداقات القائمة على الغيرة مثلا من شخص ما والنميمة عنه، أو اجتماع الزملاء في العمل أو التنظيم على كره أو عدم تقبل القيادة أو المسؤول، ليصبح هذا هو الموضوع المشترك بينهم، والذي يجعلهم يعتقدون أنهم أصدقاء.
- الظروف المشتركة: يمر بعض الناس أحيانا بظروف مشتركة كأن يكونوا متجاورين في مكان السكن، أو مجموعة أشخاص يقضون الوقت معا هروبا من الملل، أو الالتقاء الدوري غير المتفق عليه بين نساء يحضرن أطفالهن للعب في مكان واحد، أو وجود الأبناء في مدرسة واحدة، أو أن يكون الأبناء أصدقاء، فيتخيل البعض أن آباء هؤلاء الأبناء الذين يلتقيهم في مناسبات أبنائهم قد أصبحوا بالضرورة أصدقاء، بسبب تبادل الأحاديث أو الالتقاء بهم في مناسبات مختلفة.
تعبر هذه الأمثلة عن علاقات قد يعتقدها البعض صداقة، ولكنها في الحقيقة تنتهي بانقضاء السبب أو الظرف الذي نشأت فيه، لأنها لم تنشأ أو تُستثمر من قبل هؤلاء الأشخاص لتتحول إلى علاقات صداقة حقيقية تمتلك مبررات الاستمرار، ويسعى المرء للحفاظ عليها، لأنها أصبحت بالنسبة له kenzoku!
كيف يمكن التأكد من أن العلاقات التي تربطنا بالآخرين هي علاقات صداقة حقيقية:
- الحرص على سعادتنا؛ فالأصدقاء الحقيقيون يريدون لأصدقائهم سعادة حقيقية وشعورا حقيقيا بالرضا، فيقدمون لنا نصائح صادقة حتى وإن كانت قاسية أحيانا، لأنهم يساعدوننا على رؤية أنفسنا وأخطائنا حين لا نكون قادرين على ذلك، لأنهم لا يريدون لنا الغرق في هذه الأخطاء، وهم بذلك يعلمون أنهم ربما يخسرون صداقتهم معنا، ولكن سعادتنا بالنسبة لهم أهم من صداقتنا، لذلك فهم يقولون الحقيقة، ويقدمونها بطريقة مقبولة وتؤكد حرصهم علينا، ويخبروننا نحن فقط بهذه الحقيقة وليس الآخرين.
- لا يطلبون وضع الصداقة قبل مبادئنا وقيمنا، فالأصدقاء الحقيقيون لا يمكن أن يطلبوا منا التنازل عن القيم والمبادئ باسم الصداقة أو لأجلها، ولا يغضبون حين يطلبون منّا الوقوف بجانبهم في فعلٍ مشين ونرفض ذلك. الصديق الحقيقي لن يطلب منّا أن نكذب أو نشاركه تشويه سمعة أحد، أو شهادة الزور، ولن يقوموا أبدا بتخييرنا بين فعل أمر كهذا أو استمرار صداقتنا.
- التأثير الجيد علينا،  الأصدقاء الحقيقيون يُحدثون تأثيرا وتغييرا جيدا في حياتنا، وحين نمر بتجارب صعبة فهم يدفعوننا للتعلم والخروج منها بأفضل الخبرات الممكنة، ولا يسمحون لنا بالغرق في تفاصيل سلبية أو يستمرون في تذكيرنا بشكل سلبي بهذه التجارب، ولا ينقلون لنا أخبارا أو أقوالا غير سارة تؤثر في حالتنا النفسية أو الصحية بشكل غير مرغوب، كما يمنحنا لقاؤنا بهم دائما دوافع أكثر ثقة وصدقا للعبور نحو محطات جديدة في الحياة.

*باحثة دراسات اجتماعية ومستشارة لشؤون الأسرة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عاصمة الهند دهلي الهند (محمد صدوان)

    الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2016.
    احسن اخي انا متمني بهكذا و اشكركم شكرا