تقرير اقتصادي

الأزمة المالية وإعادة هندسة الحكومة

تم نشره في السبت 9 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً

جان بيساني فيري*

باريس- منذ اندلاع الأزمة المالية في العام 2008، كانت الحكومات في البلدان المتقدمة ترزح تحت وطأة ضغوط شديدة. وفي العديد من البلدان، انهارت عائدات الضرائب عندما انكمش الاقتصاد، وتضاءل الدخل، وتوقفت المعاملات العقارية. وكان انخفاض الإيرادات الضريبية في أغلب الحالات فجائياً وعميقاً ودائماً. ولم تجد الحكومات أي اختيار سوى زيادة الضرائب أو التكيف مع أوقات عجفاء.
وفي بعض البلدان، كان حجم الصدمة هائلاً إلى الحد الذي جعل حتى الزيادة الضريبية الكبيرة عاجزة عن سد الفجوة. ففي إسبانيا، ورغم الزيادات الضريبية بما يعادل أكثر من 4 % من الناتج المحلي الإجمالي منذ العام 2010، كانت نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي 38 % فقط في العام 2014، مقارنة بنحو 41 % في العام 2007. وفي اليونان بلغت الزيادات الضريبية 13 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها، ولكن نسبة الضرائب لم تزد سوى ست نقاط مئوية. وفي أماكن أخرى، بلغت الحدود السياسية للزيادات الضريبية أقصاها قبل أن يتسنى سد الفجوة. وسواء كان ذلك طوعاً أو لم يكن فإن الأولوية كانت لخفض الإنفاق.
ويعمل الإحباط إزاء توقعات النمو في المستقبل على زيادة الضغوط. فقد كان سجل الإنتاجية ضعيفاً بشكل عام على مدى السنوات الخمس الأخيرة، وهذا يشير إلى أن النمو في السنوات المقبلة قد يكون أبطأ مما كان متوقعاً في السابق. وبالتالي فإن عائدات النمو تبدو غير كافية لمواكبة الزيادة الكبيرة في الإنفاق العام المرتبط بالعمر على الصحة ومعاشات التقاعد.
وهي أزمة مختلفة تماماً عن تلك التي حدثت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فآنذاك كانت القضية الرئيسية سياسية: إذ كانت شرعية وكفاءة الإنفاق العام عُرضة للهجوم. وعلى حد تعبير الرئيس الأميركي رونالد ريجان، فإن الحكومة كانت هي المشكلة، وليس الحل. وقد أُعلِن بوضوح أن الدولة لابد أن تتقلص.
وعلى النقيض من ذلك، أصبحت مخاوف اليوم اقتصادية. صحيح أن الخلافات الحزبية حول النطاق المناسب للحكومة تظل قائمة، ولكن لا أحد يرفض تدخل الدولة في الإجمال. وغالباً لا تكون المصالح أو الإيديولوجيات هي التي تجعل خفض الإنفاق العام حتميا -بل هي الحقائق.
ولكن كيف قد تتمكن الحكومات من الارتفاع إلى مستوى التحدي؟ إن المخاطر التي تواجهها واضحة بما فيه الكفاية: ففي غياب إعادة الهندسة العميقة، يصبح من المحتم أن يزاحم الإنفاق المتعطل -بسبب الاستحقاقات وأجور موظفي الخدمة المدنية- الإنفاق على أولويات وسياسات جديدة.
وبالفعل، سنجد أن البلدان التي اضطرت إلى خفض الإنفاق بشكل كبير ضحت عموماً بالاستثمار في البنية الأساسية العامة. ويُعَد البحث مجالاً آخر معرضاً للخطر. فالاستثمار العام في البرامج التي تؤتي ثمارها في الأمد البعيد، مثل رعاية الأطفال قبل سن المدرسة، يعاني من القيود المالية. والواقع أن الأمن الوطني لا يُعطى الأولوية التي يستحقها، رغم التهديدات المتنامية. وأخيراً وليس آخرا، ربما تؤدي الحلول المؤقتة مثل تجميد الأجور لفترات طويلة إلى تآكل جودة الخدمات العامة في نهاية المطاف.
ومن حسن الحظ، هناك قِلة من التدابير التي تستطيع الحكومات أن تتخذها لتخفيف التأثيرات المترتبة على جمود الإنفاق. فبادئ ذي بدء، تستطيع ببساطة أن تعمل على إضفاء الطابع المنهجي على تقييمات كفاءة الأموال العامة. ففي أغلب البلدان، ما تزال هذه التقييمات نادرة وعشوائية: كثيراً ما تستن البرلمانات السياسات من دون أن تعلم ما إذا كانت تستحق الأموال التي سوف تنفق عليها، وقد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً للغاية قبل أن يتم إلغاء السياسات غير الفعّالة أو التي تتسم بعد الكفاءة. ولهذا السبب فإن التشريعات الممكنة لبرامج الإنفاق لابد أن تحتوي على فقرات خاصة بتعطيلها وإلغائها، بالاستعانة بتمديدات تخضع للتقييم المستقل.
ثانيا، لابد أيضاً من تنظيم مراجعة الإنفاق. إن تحديد الأولويات -سواء بزيادة الإنفاق على التعليم أو خفضه على معاشات التقاعد على سبيل المثال، أو سواء بالاستثمار في البنية الأساسية أو البحوث- يستلزم اتخاذ خيارات صعبة والتي يجب أن تكون واضحة. في عالم مثالي، كانت هذه الخيارات لتصبح محل تركيز المناظرات الانتخابية والعمل البرلماني. ولكن خلف كل بند من بنود الميزانية هناك دمهور انتخابي يعمل على إغراء صناع السياسات وحملهم على تجنب اتخاذ القرارات الصعبة. ولهذا السبب تُعَد مراجعات الإنفاق المنظمة مفيدة للغاية: فهي ترغم المسؤولين على تضييق الفجوة بين الغايات والوسائل وتشجيع اتخاذ القرار الديمقراطي المستنير.
ثالثا، يتعين على الحكومات أن تجهز نفسها بميزانية مخصصة لإعادة الهندسة والتصميم. وكما تعرف الشركات الخاصة، فإن التحولات -التغيرات العميقة في الطريقة التي تتم بها إنجاز الأمور- كثيراً ما تكلف المال قبل أن تجلب التوفير. ولعل السبب وراء هذا هو أن التغيرات تتطلب الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة، أو إعادة تدريب الموظفين، أو ببساطة شراء قبول أصحاب المصلحة. وسوف تكون الأموال المخصصة في الميزانية لإعادة هندسة البرامج الحكومية استثماراً جيداً.
رابعا، ينبغي للحكومات أن تشجع الإبداع في القطاع العام. وخلافاً للتحيزات الشعبية، فإن الحكومات المحلية والهيئات العامة تبتكر وتبدع حقا؛ ويغيب عن هذا الآلية اللازمة لاختيار ونشر الإبداعات على النحو نفسه الذي تختار به الأسواق المنتجات الجديدة أو عمليات توفير التكاليف. وربما تظل الطريقة الأفضل لتسليم الخدمات العامة غير معلومة لسنوات. وقد يتغير هذا إذا اتخذت الحكومات خطوات بسيطة مثل تخصيص المزيد من الأموال للمشاريع كل على حدة وتنظيم المسابقات. على سبيل المثال، لابد من السماح للمدارس في المناطق المحرومة بتقديم العطاءات للحصول على أموال لتعزيز الإبداع التعليمي.
أخيراً وليس آخرا، لابد من تمكين الناس. فالمواطنون يريدون دولة أكثر فطنة تكيف عملياتها لتلبية الاحتياجات المحلية. وفي العصر الرقمي، يريدونها أن تلبي معايير جديدة للسرعة والجدارة والتخصيص (إضفاء الطابع الشخصي). وهم يتحدون بشكل متزايد وجهة النظر التقليدية التي تزعم أن الكفاءة والمساواة تعنيان ضمناً تضاؤل الاختيار الفردي. وهم يريدون أن تكون الحكومة مفتوحة، لضمان الوصول إلى البيانات، وتمكين المراقبة المباشرة لكفاءتها وفعاليتها.
هناك قوى عاتية تدفع إلى التغيير، وينبغي للحكومات التي تجهز نفسها لخوض المعركة أن تسخر هذه القوى لتحقيق هدف إعادة الهندسة التي تحتاج إليها بصورة عاجلة. والبديل هو قبول تدهور جودة الخدمات العامة، وهو ما لن يؤدي إلا إلى فقدان شرعية الحكومة، ومعها تتراجع الرغبة في سداد الضرائب.

*أستاذ في كلية هيرتي لإدارة الحكم في برلين.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق