د.أحمد جميل عزم

"الذين يؤمنون أنهم ليسوا عبيدا"

تم نشره في الخميس 21 أيار / مايو 2015. 11:06 مـساءً

في لقاء سريع غير مخطط له، منذ نحو عامين، أخبرتُ الشيخ خضر عدنان عن لحظة شهدتها في جامعة لندن (LSE)، عندما ألقت بنت فلسطين، رفيف زيادة، قصيدة عن حب عدنان لبلاده وأهله البادي في عينيه. وهو لا يعرف من هي رفيف، ولا القصيدة الملقاة بالإنجليزية، فلمعت عيناه عندما أخبرته كيف تصاعدت قبضات وأصوات الشبيبة البريطانية والعالمية تحييه. لكن صوته وملامحه تغيرا سريعاً؛ كان منطق تعليقه أنّ الأولوية لاستمرار المسيرة.
اعتقل خضر نهاية العام 2011 إدارياً من قبل الإسرائيليين، من دون تهمة. فقرر الإضراب عن الطعام. وتصاعد التضامن معه وصولاً لحملة فلسطينية وعربية وعالمية. وانتصر خضر آنذاك ولم يُجدد الاعتقال.
ولد الشيخ العام 1978، وتخرج من جامعة بيرزيت، في تخصص الرياضيات. وفي منتصف العشرينيات من عمره قرر أن يكون مستقلا مالياً ووظيفياً ومناضلاً، فعاد من رام الله إلى قريته عرابة في جنين وأنشأ مخبزا، وصار خبّازاً. عندما اعتقل المرة الماضية، كان لديه طفلتان. وبعد خروجه وعودته لمخبزه وللناس، رزق بولد، ثم بثلاثة أولاد توائم دفعة واحدة. وكان إذا جاءه مناضل أو إنسان يعاني قلة دخله ويريد وظيفة، ينصحه بمشروع صغير؛ أن يربي خِرافاً، أو يفتح بقالة، أو سوى ذلك. هي فلسفة الاقتصاد المقاوم، البعيد عن البيروقراطية وتحكم الاحتلال. وأذهلني عندما سمعته في مناسبات عامة يتحدث ويخطب عن حب الناس والأرض. الحب بمعناه الواسع جزء أساسي من خطابه ونضاله.
الآن، عاد والده؛ تاجر الخضار في حسبة قباطية، وابن الخامسة والسبعين، لإضرابات الصليب الأحمر وفعاليات الأسرى، وعادت والدته التي يشتد عليها المرض.
الجامعة والرياضيات، ومشاريع مستقلة للدخل، وخطاب عن الحُب، وتوائم، ثم اعتقاله للمرة التاسعة قبل عشرة أشهر.
بعد خضر ابن الجهاد الإسلامي، كان اليساري من الجبهة الديمقراطية سامر العيساوي، أيقونة أخرى للإضراب والصمود.
الآن في المعتقل خضر، وسامر وأخته المحامية شيرين العيساوي، وأخوهما مدحت، وفي وقت ما كان معهم شقيقهم شادي، وشقيقهم فادي شهيد؛ يوم كان سامر مضرباً، أوصى أن يدفن بجانبه بعد أن يصلى عليه في "الأقصى".
لا أعرف كل الأسماء، ولكن من المناضلين الذين أضربوا عن الطعام بعد خضر، من أُطلق وهو حر، وهناك من أطلقوا وأعيد اعتقالهم، منهم بلال ذياب ومعه شقيقان معتقلان، أحدهم بسام، شأنه شأن شقيقة سامر، يُعتقَد أنّ سبب اعتقاله تضامنه مع شقيقه. وهناك ثائر حلاحلة، وجعفر عزالدين (شقيقه مبعد إلى غزة)، وطارق قعدان (وشقيقته منى، أسيرة محكومة ست سنوات، وخطيبها إبراهيم اغبارية محكوم مدى الحياة)، وعماد بطران. ولم يطلق أيمن اطبيش. وممن أبعد لغزة هناء الشلبي، وأيمن الشراونة، وأيمن داوود.
أثناء إضرابه عن الطعام، بعث ثائر (له شقيق محكوم 17 عاما)، رسالة لزوجته قال فيها: "لا يمكنني أن أصف بالكلمات مدى حبي لكِ. أفعل هذا في سبيل الله ومن أجل وطني، من أجلك، ومن أجل ابنتي لمار.. اعتني بها وبصحتك.. وسامحيني..". وقبل أيام، أرسل خضر رسالة ينبئ عائلته بنيته الإضراب، قائلا: "فداك روحي يا أمي الحنونة الغالية"، وموقعاً "ابنكم ومحبكم الصغير خضر عدنان". ويقول: "أدخل الإضراب هذه المرة ودافعي أعظم، والحرية السابقة حادية لي. ولربما تختلف أدواتي خلال الإضراب، فإن راكم الاحتلال تجربته فنحن كذلك". ويقول: "كفى في الإضراب نفعا إدامة جذوة المقاومة، ورفض شعبنا للاحتلال، وتصويب البوصلة...". ويذكر شهداء الحركة الأسيرة الجدد؛ المحامي جعفر عوض، وحسن الترابي، وميسرة أبو حمدية، وأشرف أبو ذريع، ومخيم اليرموك والشتات وكل فلسطين.
هناك الكثير مما يمكن أن نخبره لخضر عنه هو، كقصيدة مغناة للأميركي David Rovics، ورد فيها:
كبُر عدنان في ميدان حرب
حربٌ يملك فيها طرف واحد دبابات وطائرات
نوع من الحرب يُسمى احتلالا.. استيطانا.. ترحيلا.. وهلاك
وكل الذين يؤمنون أنهم ليسوا عبيدا
ويتحدثون عن المقاومة
يُخاطَبون بفوهات البنادق وتُهيأ لهم قبورٌ مبكرة
خضر عدنان يحب زوجته وبناته
ويحب أن يأكل كل يوم خبزا في السجن
لن يرى أطفاله
ولن يعيش الحياة مع السيدة التي يود
وباسم كل الأطفال الذين يعيشون بلا آباء قرر أن يعلن ردّه
أن يعلن الكرامة أو الموت.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (نجاة الفارس)

    الجمعة 22 أيار / مايو 2015.
    سلمت يداك دكتور احمد جميل مقالك رائع كروعة الشيخ عدنان خضر