عيسى الشعيبي

نجاعة القوة الناعمة.. "BDS" مثالا

تم نشره في الخميس 11 حزيران / يونيو 2015. 11:04 مـساءً

لعل من بين أفضل الخدمات التي تقدمها "الغد" لقرائها، وهو أمر يلمسه صحافيو هذه اليومية إلى جانب قرائها، خلال المناسبات الاجتماعية المتفرقة، خدمة المقالات المترجمة عن الصحافة الإسرائيلية. وهي ترجمة تقوم بها مؤسسة تضم عدداً من أبناء عرب الـ48 الضليعين باللغة العبرية، يبدأون مهمتهم هذه بعد منتصف الليل، لتكون المواد متاحة بالعربية في ساعات الصباح الأولى، أمام المسؤولين والإعلاميين والمشتركين، سواء على الشبكة العنكبوتية، أو على الورق.
ومن حسن الحظ أنه يتيسر لي شخصياً الاطلاع، يومياً، على تقرير الصحافة الإسرائيلية هذا، بكل عناوينه الفرعية ومواده المنتقاة. وهي عادة أدمنت عليها منذ زمن ما قبل انفجار ثورة الاتصالات، عندما كان يتولى مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، لاسيما في عقد سبعينيات القرن الماضي، توفير هذه الترجمات في إطار تقارير أسبوعية أو نصف شهرية، وإتاحتها للباحثين والصحفيين والمسؤولين المهتمين بالشؤون الإسرائيلية، للوقوف على ما يسود فيها من آراء واتجاهات سياسية.
وأحسب أنه لم يفت قراء "الغد" ملاحظة ذلك الانهماك الشديد الذي استبد مؤخراً بأبرز الكتاب الصحفيين الإسرائيليين، على نحو لم يكن عليه من قبل، بمسألة المقاطعة، وذلك منذ عشية طرح اقتراح تعليق عضوية إسرائيل في "الفيفا" إلى غداة إعلان شركة "أورانج" الفرنسية قرارها بفض الشراكة مع مقدمي خدمة الاتصالات الإسرائيلية، حيث بدا الوضع وكأن زلزالاً ضرب أوصال الدولة العبرية، وفق ما تجلت عليه الحال في مواقف وتصريحات أركان حكومة نتنياهو، وفي تعليقات الصحف الإسرائيلية اليومية الأربع.
من الواضح أن هاتين الواقعتين ("الفيفا" و"أورانج") اللتين لم تسفرا بعد عن ثمارهما المرجوة، قد فتحتا عيون إسرائيل أوسع من ذي قبل، على مدى نجاعة حملة المقاطعة المستمرة منذ سنوات ضد صادرات المستوطنات الإسرائيلية، لاسيما بعد أن اشتد زخم الحملة مؤخراً، وباتت تطال ما هو أكثر أهمية من بضاعة المستوطنات، لتصل إلى مطارح بالغة الحساسية؛ مثل البنوك والكارتلات وأصحاب الماركات العالمية، فضلاً عن الجامعات ومراكز الأبحاث والمستثمرين. وهي أمور كانت إسرائيل تتجاهلها، حتى بعد أن حققت المقاطعة، المنسقة مع أداء دبلوماسي فلسطيني طيب، نتائج لافتة في تصويت برلمانات أوروبية على اعترافات غير ملزمة بالدولة الفلسطينية.
ويبدو أن إسرائيل استفاقت الآن من غرورها، وأدركت عقم ذرائعها القديمة القائمة على توجيه تهمة "اللاسامية"، فراحت ترفع عقيرتها بالشكوى ضد هذه الموجة المتعاظمة، من دون أن يلقى خطابها الكلاسيكي أذناً صاغية، ضد هذه الحملة التي تشارك فيها جماعات حقوق إنسان، ومنظمات طلابية، وحركات اجتماعية ديمقراطية، ومؤسسات محترمة، وشخصيات عالمية مرموقة، بمن فيهم شخصيات يهودية وإسرائيلية. وفوق ذلك كله، فإن هذه المقاطعة التي لا تتوسل العنف، تجري وفق قواعد اللعبة التي تحترم الخيارات الفردية، والرأي والرأي الآخر.
وعليه، فليست المعركة على بضاعة وسلع لن تؤدي مقاطعتها إلى التأثير على اقتصاد إسرائيلي كبير يبلغ حجم ناتجه المحلي الإجمالي نحو 300 مليار دولار. وإنما هي في واقع الأمر معركة على القيم والمفاهيم والمبادئ والأفكار، التي شكّلت المظلة الأخلاقية لإسرائيل، ونجحت في تغطية احتلالها وجرائمها الموصوفة. كما أنها معركة على قراءة الرواية، وعلى المسار التاريخي، وعلى المستقبل، خصوصاً بعد أن انضمت إلى الحملة رابطة طلبة المملكة المتحدة (7 ملايين طالب)، وهي أكبر منظمة طلابية في العالم، إلى جانب غيرها من المجموعات المماثلة في الجامعات الأوروبية، بل وحتى في بعض الجامعات الأميركية، حيث بات هؤلاء يرون في إسرائيل دولة تحث الخطى على طريق جنوب أفريقيا العنصرية البائدة.
وهكذا تبدو حركة "BDS" التي تقود هذه الحملة الناجعة، كإبداع نضالي فلسطيني جديد، يضاهي انتفاضة الحجارة. كما بدت أيضا كأداة كفاح ناجحة ضد الاحتلال والعربدة الإسرائيلية، إن لم نقل إنها شكل جديد من أشكال المقاومة، شديد التماهي مع معطيات هذه المرحلة، ومنسجم مع قوانينها المتغيرة. حتى إنه يمكن القول إن هذه المقاومة المعبرة عن مفهوم القوة الناعمة ببلاغة شديدة، هي إحدى أهم أدوات المقاومة الشعبية المعولمة، وربما أكثرها مضاء في هذه الآونة، التى عزّت فيها إمكانية استخدام الأدوات الكفاحية السابقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا (متابع)

    الجمعة 12 حزيران / يونيو 2015.
    مقال رائع واول مره اعرف عن الية الترجمه من العبريه ...شكرا لعرض المعلومات علما انني اتابع بشغف الترجمه من العبريه بعد ان فشلت في تعلم العبريه . وفقك الله استاذي الكريم .