هل "داعش" في صعود في غزة؟

تم نشره في الأحد 21 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً
  • سلفيون فلسطينيون يحتجون على رسوم تشارلي إيبدو أمام القنصلية الفرنسية في غزة - (أرشيفية)

غروس كارلستروم – (فورين بوليسي) 17/6/2015

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مدينة غزة، قطاع غزة - انحنى زياد البزم على مكتبه الأرجواني، وحاول أن يبدو واثقاً. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية التي تسيطر عليها حماس: "غزة آمنة تماماً. يمكنك أن تسير في أي مكان في الثالثة صباحاً. ليس هناك "داعش" في غزة".
وبعد بضع ساعات من ذلك في 11 حزيران (يونيو)، انطلقت صفارات الإنذار في مدينة عسقلان في إسرائيل، معلنة عن وابل ثالث من الصواريخ التي يطلقها نشطاء فلسطينيون في أقل من أسبوعين. وسارعت مجموعة تستلهم فكر تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى ادعاء المسؤولية عن إطلاق الصواريخ، ووعدت بشن مزيد من الهجمات. ومع أن الصواريخ التي أطلقت في الهجوم الأخير قصرت عن بلوغ المدينة، فإن صاروخين سابقين كانا قد اجتازا الحدود وسقطا حول عسقلان. ولم يتسبب أي من هذه الصواريخ جميعاً بأي ضرر.
في الفترة الأخيرة، أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مولعاً بمقارنة حماس بعصابة الجهاديين التي تسيطر الآن على معظم العراق وسورية. وبعد خطابه الذي ألقاه في أيلول (سبتمبر) في الأمم المتحدة، والذي وصف فيه حماس و"الدولة الإسلامية" بأنهما "فروع من الشجرة السامة نفسها"، شوهدت يونيت ليفي، مذيعة نشرة الأخبار الرئيسية في القناة الإسرائيلية الثانية، وهي تقول غاضبة أمام الكاميرا: "يا إلهي، إنها 45 دقيقة من "داعش هو حماس، وحماس هو داعش!"
مع ذلك، تقاتل حماس ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في الآونة الأخيرة، -أو على الأقل جماعات تحاول محاكاته.
على مدى ما يقرب من ستة أشهر، شن المتطرفون حملة بطيئة، ولكنها ثابتة، من التفجيرات والاغتيالات في غزة. ومع أن أعدادهم قليلة، والخسائر منخفضة، فإن أعمالهم الأخيرة تهدد بتآكل الوقف الهش لإطلاق النار مع إسرائيل. وقد ردت حماس بصرامة، واعتقلت عشرات الأشخاص في مداهمات متكررة.
على نحو يثير القلق، تجد هذه الجماعات الراديكالية الجديدة الدعم من داخل حركة حماس نفسها، من بين أعضاء المراتب المختلفة الذين يرغبون في العودة إلى الحرب مع إسرائيل. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قتلت الشرطة مسلحاً في منزله في شمال قطاع غزة. وتبين أن الرجل، يونس الحنر، كان عضواً لفترة طويلة في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، قبل أن يتحول إلى مجموعة متطرفة.
هذه الانشقاقات تتسبب بالمزيد من تقسيم الحزب الحاكم المنقسم مسبقاً حول ما إذا كان سيعود إلى الحرب مع إسرائيل. وتتفاوض القيادة السياسية المعتدلة نسبياً للمجموعة على هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، والتي يمكن أن توفر خمس سنوات من الهدوء في مقابل تخفيف رئيسي للحصار المفروض على غزة، حتى في حين يستعد الجناح العسكري بنشاط لخوض صراع آخر.
يقول أبو إبراهيم، وهو عضو من المستوى المتوسط في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الفصيل البارز الآخر في غزة الذي شهد انشقاقات من كوادره إلى الجماعات السلفية: "80 في المائة من الناس الذين ينضمون إلى هذه الحركات يأتون من واحد من فصائل المقاومة. إنهم غاضبون لأن الفصائل لم تستمر في الحرب. لديهم تلك الفكرة عن أنه لا يجب أن تكون لنا أي اتفاقات مع إسرائيل".
وصلت حماس إلى السلطة بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي جرت في العام 2006، وعلى الرغم من أنها خاضت ثلاثة حروب ضد الدولة اليهودية، فقد أظهرت أيضاً استعدادها للتفاوض مع إسرائيل. وقد جعل منها ذلك هدفاً للسلفيين المتشددين، المسلمين المحافظين الذين ينظرون إلى حماس على أنها علمانية جداً وناعمة جداً تجاه إسرائيل. ولعدة سنوات، استهدف هؤلاء أعضاء حماس، وفجروا مقاهي الإنترنت ومحلات الفيديو وغيرها من المنشآت "اللاأخلاقية".
في آب (أغسطس) 2009، وصلت المواجهة إلى ذروتها عندما أعلن زعيم مجموعة جند أنصار الله المرتبطة بتنظيم القاعدة إقامة "إمارة إسلامية" في مدينة رفح الجنوبية. وعند ذلك، اقتحم مسلحون من حماس مسجده، وقتلوه هو وعشرات من مؤيديه. وقد استلمت الجماعات السلفية الأخرى الرسالة، وهدأت أعمال العنف.
يقول المسؤول في حماس فوزي برهوم، مستخدما مصطلحاً يشير إلى المتطرفين الذين يتهمون المسلمين الآخرين بالردة: "لقد تعاملنا مع مشكلة ’التكفيريين‘ هذه من قبل. إنها ليست ظاهرة جديدة".
لكن هناك فرقاً واحداً: إن المتشددين الأكبر سناً، والمعروفين جيداً لدى حماس، لا يشاركون في أعمال العنف الأخيرة. وبدلاً من ذلك، برزت قائمة من مجموعات جديدة خرجت من الظل.
وتطلق المجموعة الأكثر نشاطاً على نفسها اسم لواء الشيخ عمر حديد، التي أخذت اسمها من جهادي عراقي بارز من الأيام الأولى بعيد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العراق. وقد أعلنت هذه المجموعة مسؤوليتها عن الهجمات الصاروخية الثلاث الأخيرة، ووجهت إنذاراً هددت فيه بشن المزيد من الهجمات ما لم تفرج حماس عن السجناء السلفيين.
حاولت مجموعات صغيرة أخرى غامضة أن تعيث فساداً في غزة نفسها، فاغتالت مجموعةٌ تطلق على نفسها اسم "أنصار الدولة الإسلامية في القدس" مسؤول أمن تابع لحماس خارج منزله الشهر الماضي، وأطلقت قذائف مورتر على معسكر تدريب لحماس. وأرسلت جماعة أخرى تهديدات بالقتل إلى ناشطين ليبراليين في كانون الأول (ديسمبر). كما فجر مهاجمون مجهولون القنصلية الفرنسية في مدينة غزة مرتين في الشتاء الماضي.
لكنّ أياً من هؤلاء المقاتلين لم يعلن الولاء الرسمي لمجموعة "الدولة الإسلامية" بعد، ولم يعترف قادة الخلافة التي نصبت نفسها بنفسها بوجود مجموعة تابعة لهم في الأراضي الفلسطينية المحاصرة. ولكن بيانات هذه المجموعات تتخللها الأناشيد التي ينتجها الجناح الإعلامي في "الدولة الإسلامية" وغيرها من الصور المرتبطة بتلك المجموعة.
ويخشى دبلوماسيون من احتمال أن تبدأ هذه الجماعات باختطاف الناس، إما لقيمة دعائية أو لاستخدامهم كورقة مساومة في مقابل إطلاق سراح رفاقهم المسجونين. وما تزال عمليات الخطف نادرة في غزة، حيث وقعت آخر حادثة في العام 2011، عندما قتل مسلحون سلفيون الناشط الإيطالي فيتوريو أريغوني. ومع ذلك، رفعت الأمم المتحدة تقييمها للتهديد في غزة في وقت سابق هذا العام. وعلى الأثر، مُنع العديد من عمال الإغاثة من المشي في الشوارع، ليقتصر تواجدهم على المكاتب والفنادق.
تقول دنيا إسماعيل، الناشطة النسوية التي كانت من بين الذين تلقوا التهديدات في كانون الأول (ديسمبر): "الجميع يعرفون أن لدينا هذا النوع من الأيديولوجيا في غزة. لكن هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها مع حركات إسلامية مجهولة".
على الرغم من التأكيدات المسترخية التي يدلي بها مسؤولو حماس مثل البزم، فإن الحركة الفلسطينية تشعر بالقلق. وقد اعتقلت الشرطة عشرات السلفيين وقامت بتجريف مسجد في دير البلح، والذي كان يستخدمه رجل دين متطرف. كما يتم إلقاء القبض على النشطاء الذين يطلقون الصواريخ خلال 24 ساعة، وفقاً للشرطة الذين شاركوا في الغارات. وقد ضغطت وزارة الإعلام على الصحفيين المحليين حتى يقللوا من أهمية القصة، وعمد الدعاة والوعاظ ووسائل الإعلام التابعة لحماس مؤخراً إلى مهاجمة الفكر التكفيري علناً في الفترة الأخيرة.
يشدد برهوم والبزم على حد سواء على أن الجماعات المتشددة صغيرة. وفي واقع الأمر، تقول كل من المصادر الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية أن قوة هذه المجموعات مجتمعة تقل عن 1000 رجل –وهو ما لا يشكل نداً لحوالي 35.000 مقاتل تحت قيادة حماس. ولن تكون أي من هذه الجماعات في وضع يمكنها من الاستيلاء على غزة في أي وقت قريب.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الفصائل قد استقرت على استراتيجية يمكن أن تكون مدمرة لقطاع غزة بنفس المقدار. إنهم يحاولون وضع الطعم لجر إسرائيل وحماس إلى حرب أخرى، على أمل أن تدفع الصواريخ التي يطلقونها بين الحين والآخر إسرائيل إلى رد ثقيل في نهاية المطاف، ويجبر حماس على التورط.
حتى الآن، لم يبتلع أحد من الطرفين ذلك الطعم. وقد أرسلت حماس رسائل مباشرة إلى إسرائيل، مؤكدة أنها ما تزال ملتزمة بوقف إطلاق النار. وبينما تعتبر إسرائيل حركة حماس مسؤولة عن الحفاظ على النظام في غزة، فقد كان ردها على الصواريخ رمزياً: سلاح الجو ينتظر عدة ساعات قبل إطلاق غارات جوية انتقامية على معسكرات تدريب في غزة، معطياً حماس الوقت الكافي لإخلاء كوادرها وتجنب سقوط ضحايا.
مؤخراً، قال الجنرال سامي ترجمان، رئيس القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، أن إسرائيل لن تعود إلى الحرب مع حماس بسبب "عدد صغير" من الصواريخ.
في الشهر الماضي، قام ترجمان بزيارة إلى ناحال عوز، الكيبوتز الواقع على الحدود مع قطاع غزة. وكان ذلك المكان مدينة أشباح خلال الحرب، عندما فر السكان خوفاً من الصواريخ وقذائف الهاون القادمة من الأراضي الفلسطينية. وهناك أكثر من عشرة أسر لم تعد بعد، مفضلة الانتقال والاستقرار في مكان آخر. ولذلك كانت رسالة ترجمان غير عادية، نظراً للوضع القائم، حيث قال للمسؤولين المحليين: "هناك مصالح مشتركة بين إسرائيل وحماس. لا يوجد بديل لحماس ليتولى السيادة في غزة ... وسيكون الوضع الأمني أكثر صعوبة بكثير [في حال وجود مجموعة أخرى في السلطة".
ومع ذلك، تسير حماس على خط رفيع من خلال محاولتها الحفاظ على النظام في غزة من دون إغضاب الجمهور، أو الظهور وكأنها تقوم بالعمل نيابة عن إسرائيل. وقد اتهمت إحدى المجموعات حماس بقتل الحنر، المتطرف الذي قتلته قوات الشرطة، "من أجل إرضاء اليهود".
في مسجد في بيت حانون، المدينة الواقعة في شمال شرق غزة، توقع إمام سلفي أن تستمر الجماعات المتطرفة في البحث عن مجندين جدد. والواعظ، مثل معظم السلفيين، غير منخرط في السياسة؛ وقد عرض بفخر نسخة من كتاب نشره في العام الماضي، والذي يندد فيه بمجموعة "الدولة الإسلامية" ويشجبها باعتبارها غير إسلامية. وقال عن الجماعة الجهادية: "إنها تختصر المجتمع كله إلى الدين، وهم يفعلون ذلك بسفك دماء المسلمين بأيدي المسلمين".
لكنه اعترف بأن الكثيرين في غزة لا يوافقون معه على رأيه. وقد كشف استطلاع حديث للرأي أن 14 ٪ من الفلسطينيين الموجودين هناك يعتقدون أن مجموعة الدولة الإسلامية "تمثل الإسلام الحقيقي"، مقارنة بنسبة 8 ٪ ترى ذلك في الضفة الغربية.
وأضاف الواعظ: "إن الثقافة هنا هي على نحو لا يجعل أي مجموعات أو فصائل سياسية تتمتع بالشرعية. وتستطيع الجماعات (مثل الدولة الإسلامية)، أن تصعد في وضع كهذا، حيث المعابر مغلقة، وحيث ذهبت أنفاق (التهريب)، وحيث الاقتصاد ميت... وإذا لم يتغير هذا الوضع، ستكون لدينا معركة هنا".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Is the Islamic State on the Rise in Gaza?

[email protected]

التعليق