وكالة الغوث.. أكثر من مجرد "مؤن"!

تم نشره في الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015. 11:07 مـساءً

"من قلب الخيمَه وليل المنفيين،
من ذل الوقفَه على باب التموين،
فجَّرنا ثورتنا..."

(أغنية فلسطينية)
بعد تجديد الأمم المتحدة تفويض وكالتها لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" سنة أخرى، اعتذرت "الوكالة" عن اضطرارها إلى خفض مساعداتها وخدماتها للاجئين، بسبب نقص التمويل. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أنشأت "الوكالة" في العام 1949، في أعقاب النكبة، ككيان مؤقت لإسعاف الفلسطينيين المُهجرين حتى تُحل قضيتهم في وطنهم. لكن 66 عاماً مرت على إنشاء "الوكالة"، وأصبح نحو ثلاثة أرباع مليون لاجئ فلسطيني في العام 1948 ملاييناً كثيرة وأجيالاً متعاقبة ولدت في المنافي. وبذلك، يكون تخلي العالَم عن وكالة الغوث من دون حل مشكلة الذين أنشئت من أجلهم، تخلياً عن ورقة التوت الأخلاقية الأخيرة وعرق الحياء الأخير في المسؤولية الدولية تجاه هذا الشعب المخذول.
التقارير عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات سورية ولبنان، وحتى غزة والضفة الغربية، تبين ما يعنيه خفض إسهامات "الوكالة". ومع أن معظم اللاجئين الفلسطينيين في المنفى تدبروا أمر العيش من دون ذل إعانات "الوكالة"، فإن أعداداً ليست قليلة منهم لم تُمنح الفرصة لتلمس طريقها في الحياة ببعض الحرية، والتمكن من إقامة أودها بنفسها. وتتكرر دائماً قصص معاناة اللاجئين الفلسطينيين المأساوية في 12 مخيماً منتشرة في لبنان، حيث الحرمان من فرص العمل وتقييد الوظائف المسموح بمزاولتها، وحيث الاكتظاظ وندرة المياه النظيفة، والفقر المقيم، والتعرض لمشكلات الفصائل والتطرف والعنصرية. وكذلك ظروف فلسطينيي غزة المحاصرين الذين توفر لهم "الوكالة" بعض الهواء.
الآن، أضافت الأزمة السورية عشرات الآلاف من فلسطينيي سورية الذين أجبرهم العنف على هجرة أخرى، ليضيفوا إلى أعباء أشقائهم الثقيلة أصلاً في مخيمات لبنان المكتظة. وتفيد التقارير بأن 70 إلى 90 ألف فلسطيني من سورية انضموا إلى بؤس أكثر من 200,000 لاجئ فلسطيني في لبنان. وذكرت الكاتبة لويزا لامب، في تقرير حديث، أن ما توفره "الوكالة" أصلاً في لبنان قبل القطع المتوقع للمساعدات، لا يكفي لإطعام الأسر وتوفير التعليم والمياه النظيفة ومستلزمات العيش اليومي. وفي التعليم، على سبيل المثال، سرحت "الوكالة" عدداً من المعلمين في مدارسها ليزداد اكتظاظ الصفوف، ارتفاعاً من نحو 20 طالباً في الصف إلى أكثر من 40. كما أن مبلغ 100 دولار شهرياً التي تقدمها "الوكالة" للاجئ الفلسطيني من سورية أو المولود في لبنان، لا تغطي كلفة العلاج وحدها أحياناً.
بالإضافة إلى دور "الوكالة" في الإغاثة المباشرة، هناك أيضاً دورها الرمزي المهم، كتجسيد لاعتراف العالم مخدور الضمير بأن هناك لاجئين فلسطينيين، يعيشون ظرفاً غير طبيعي، لأنهم مطرودون من وطنهم. وقد أسدت وكالة الغوث، ربما عن غير قصد، خدمة مهمة للفلسطينيين حين احتفظت بملفات للمهجرين الأوائل وأبنائهم وأحفادهم في المنافي. وبشكل ما، أصبحت "بطاقة المؤن" التي تصدرها "الوكالة"، بمثابة الإثبات الوحيد على فلسطينية الفلسطيني. وإذا استمر العمل على اختزال وكالة الغوث وصولاً إلى حلها، فإن سجلات الفلسطينيين ستضيع -خاصة في غياب أي جهة فلسطينية تحاول، أو تتمتع بصلاحية إصدار وثائق معترف بها لتوثيق فلسطينيتهم.
إذا كانت الأمم المتحدة التي تبعثر الأموال في كل مكان آخر غير قادرة، أو غير راغبة في دوام وكالة الغوث، فعليها أولاً الوفاء بواجبها الذي هو صلب عملها: إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم تطبيقاً لقرارها رقم 194، وبآليات عملية كما تفعل في حالات أخرى. وكذلك، إذا أرادت الولايات المتحدة والدول الغربية التنصل من دفع مستحقات "الوكالة"، فعليها أولاً تصحيح سياساتها غير الأخلاقية المعادية للشعب الفلسطيني والتي تديم نكبته. وفي حين ينفق الغرب أموالاً طائلة الآن على تسليح الجماعات العنيفة والمتطرفة من أجل تخريب الأوطان العربية -والمزيد من نكبة اللاجئين الفلسطينيين حيث يوجدون في مناطق الأزمات- فعليها مراعاة بعض بقايا الضمير بدعم "الوكالة" كجزء صغير جداً لموازاة العمل الصفيق ضد قضية الفلسطينيين العادلة.
لا يريد الفلسطينيون أن يكونوا بحاجة إلى "الوكالة"، ولا يحبون ذل الوقوف في مراكز تموينها، وهم الشعب الفخور المنتج وصاحب البلد المتميز في المنطقة قبل سرقته. لكنهم الآن بحاجة إلى أدوار "الوكالة" -العملية والرمزية- إلى أن يخجل العالم ويعيد إليهم حقهم المسروق.

التعليق